حسن وبطرس ٣ - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
حسن وبطرس ٣
15 May 2019

حسن وبطرس ٣

كيف أشرح لصديقي حسن الموضوع بطريقة لا تجرحه بل تساعده على فهمي وفهم تفكير وإيمان عائلتي...

هذا ما كان يدور في خلد بطرس وهو في طريقه لزيارة صديقه العزيز حسن. وعند وصوله طَرَق على الباب فأجابت عائشة.

عائشة: أهلًا بصديقنا بطرس. تفضل! حسن سيكون معك بعد دقائق.

بطرس: شكرًا أختي عائشة. كيف حالك وكيف حال الوالد؟ لم أره منذ مدة.

عائشة: نحن بخير، الحمد لله! الوالد ذهب للعيادة للعلاج. أرجو أن تدعوا له بالشفاء.

بطرس: بكل تأكيد. نحن فعلًا ذكرناه في الكنيسة في اجتماعنا لدرس الكتاب المقدس وقد أخذ القس الوقت للصلاة معنا من أجله.

عائشة: أشكرك. أستأذن.

حسن: أهلًا بصديقي بطرس. كيف حالك وكيف العائلة؟

بطرس: أهلًا بعزيزي حسن. نحن كلنا بخير.

حسن: يبدو على وجهك كلام. بماذا تفكِّر؟

بطرس: كنت في طريقي أفكِّر كيف أشرح لك وجهة نظرنا بالنسبة للثالوث وكيف نفهمه كمسيحيين. 

حسن: ممتاز. أنا كنت سأسألك فوفرت عليَّ الإحراج. قل لي، أنا أعرف أنكم تؤمنون بإله واحد. على الأقل عندما أرى أصدقائي المسيحيين يقومون بعلامة الصليب على وجوههم وصدورهم قبل البدء بشيء يقولون بِسم ... وينهون البسملة بالإله الواحد، آمين. لقد لاحظت أنكم لا تقولون بأسماء، بل بِسم. ورأيت ذلك أيضًا عندما حضرت معمودية ابنتك، سمعت القس يقول: "أعمدك بِسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين". ولكن لا أستطيع استيعاب هذا الأمر؛ بما أنكم تؤمنون بأن الله واحد لمَ الإصرار على ثلاثة وثالوث؟ أليس الأفضل أن تكتفوا بالله الواحد الأحد؟ عندنا الكتاب يقول: {قُل هو الله أحد}، فلماذا تقولون آب وابن وروح قدس؟ ألا ترى أنه من الأجدر أن تكُّفوا وتكتفوا بالإله الواحد الأحد؟

بطرس: يعجبني أنك دائمًا مستقيم ولا تراوغ أبدًا في كلامك. سأحاول أن أشرح لك. سأبدأ بالتأكيد على أن المسيح جاء ليتمم النبوات التي جاءت قبله وليس لينقضها أو ينسخها، لأن الله لا يتغير ولا يتبدل، ولا مبدل لكلماته. بل هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. فالنبوات خط مستقيم لا ينقطع من آدم إلى المسيح ومجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات. 

فعبر الأنبياء كلم الله الناس ووعد بمجيء ابنه، أي كلمة الله الذي خُلِق به كل شيء. وهذا الكلمة الخالق أخذ جسدًا كابن آدم أو ابن الإنسان أي جسدًا بشريًا، وعُرِف في تاريخنا باسم المسيح يسوع. ولكن علينا أن نقف ونتأمل في العهد القديم لنرى ونفهم اللاهوت أو ما أعلن الله لنا عن نفسه لكي نعرفه. لقد ظهر الرب للكثير من الأنبياء وتكلم معهم وجالسهم بل وغسل يديه ورجليه وأكل لحمًا ولبنًا مع إبراهيم، على سبيل المثال لا الحصر. ولكن مَن الذي ظهر؟ في كل مرة يتكلم بها الأنبياء عن ظهور هذا الشخص العجيب نرى الكتاب يلقِّبه في بعض الأحيان ملاك الرب، وفي أحيان أخرى يقول إنه الرب ويستخدم اسم الجلالة (يهوه) بلا عذر أو شرح ليُعرِّف بهويته، مما يدعونا أن نستغرب كيف أن الله هو هذا الشخص. وقد حاول المفسرون اليهود استخدام طرق كثيرة لمواجهة حقيقة معنى هذا الظهور في التوراة أو معالجته بإضافة كلمات إليها في الشرح، لأن موسى قال لهم بوضوح: {اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا ربٌ واحد} (التثنية ٦: ٤). وفي هذه الكلمات نرى خلفية ما ذَكَرته أنت فعوض كلمة "اسمع" نرى عندكم كلمة "قل". وكلمة "واحد" بالعبرية هي "أحد". فالآية في التوراة بالعبرية المعرَّبة تكون {شَّمّع يسرائيل، يهوه الًهِنو يهوه أحد}، أي: يهوه الله أحد.

حسن: يعني هذا الكلام أن التوراة والقرآن يتفقوا في هذا القول: {هو الله أحد}. إذًا لماذا تقولون إن الله الواحد هو آب وابن وروح قدس؟

بطرس: لحظة، جعلتني بقولك أستغرب. لماذا تبدأ الآية بالعربي بـ "هو" وليس "إن"، مثلًا؟ ألا تجد تركيبة الجملة غريبة عربيًا؟ يبدو لي وكأن "هو" مختصر لـ"يهوه"، ولكن ليس لدي دليل على ذلك. 

حسن: لم أفكر في هذا أبدًا مع أنني أحب أن أقارن الأديان. سأنظر إليها ولكن عُد بي إلى الثالوث.

بطرس: السؤال الذي يجب أن نطرحه هو معنى "أحد". لأننا نجد هذه الكلمة مستخدمة في سفر التكوين: {لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا} (٢: ٢٤). كلمة "واحدًا" هنا هي نفس الكلمة الموجودة في القول أعلاه وهي كلمة "أحد". أي عندما نقول "هو الله أحد" فكلمة "أحد" في العبرية المستخدمة هي نفس الكلمة الموجودة للتعبير عن الزواج "وحايو لبشر أحد: ويكونان جسدًا واحدًا"! من هنا نرى أن كلمة أحد لا تعني الانفراد المنفرد بل الجمع المنفرد، لأنه مع أن هناك شخصان، زوج وزوجة، إلا إنهما في نظر الله "بشرًا أحد"! ولذلك ومن هذا المنطلق ومن نفس كتاب موسى نستنتج أنه بما أن نفس الله الذي أعلن أن البشريين هم "أحد" أعلن عن نفسه أنه "أحد"، مما لا يمنع أن يكون الله الآب والابن والروح القدس، كما أعلن عن نفسه مرارًا وتكرارًا عبر الأنبياء والكتب.

حسن: الصراحة أنا دخت بين العربية والعبرية! ولكنني وكأني فهمتك تقول إنه بما أن الله عز وجل اعتبر آدم وحواء واحد، وكأنه يقول "قل بشرًا أحد" عن الإثنين، فلا مانع أن يقول "قل هو الله أحد" عن الثالوث كما تصفونه. هل فهمتك صح؟

بطرس: نعم! وأضيف لك أن الزواج في التعليم الكتابي هو عهد بين ثلاثة أطراف، الرجل والمرأة والله. 

حسن: ممكن نتكلم عن الزواج أكثر في المستقبل. دعنا نرجع لفكرة الثالوث عندكم، لماذا تصرون عليها؟

بطرس: لسنا نحن من نُصرّ عليها ولكن الله هو الذي أعلن عن ذاته بأنه الآب والكلمة (الابن) والروح القدس الإله الواحد. وقد حاول المسيحيون عبر العصور الأولى فهم وشرح هذا الإعلان وأطلقوا عليه اسم الثالوث لكي يميزوه عن البدع التي لا توافق التعليم الكتابي.

حسن: يعني أن كلمة ثالوث غير موجودة في الكتاب المقدس؟

بطرس: نعم هي كلمة لاهوتية استخدمت للتمييز بين ما هو مقبول للقول عن الله بحسب الآيات التي وصلتنا عبر كل الأنبياء والكتب، وبين ما تصورته الهرطقات عن الله بسبب فلسفاتها الوثنية وغيرها. فكان من الضروري تحديد وتعريف من هو الله كما أعلن عن ذاته، لكي يعرف المسيحيون إن كان ما يسمعونه هو بحسب وحي الله في الكتاب أم من أفكار البشر واجتهاداتهم بناءً على فلسفاتهم.

حسن: إذًا الثالوث مصطلح كالتوحيد ليس موجودًا في الكتاب المقدس، وكلمة "توحيد" أيضًا استخدمها علماء الدين عندنا لكي يميزوا الحق من الشرك، وهي كلمة غير موجودة في القرآن ولكن مستنتجة من وحي الله في القرآن. فيبدو بالمقارنة ان الكلمتين وضعتا لتحديد الحق وتجنب الشرك. جميل. ولكن ألا ترى أنكم بالثالوث تؤمنون بثلاثة؟

بطرس: أنت نفس وروح وجسد ومع ذلك أنت واحد. نفسك ليست جسدك، وروحك ليست جسدك، ونفسك ليست روحك ومع ذلك تنظر لنفسك بأنك واحد، فهل أنت ثالث ثلاثة؟ أعتقد أنه من السهل فهم إعلان الله عن نفسه بأنه ثالوث عند نظرنا إلى ثالوثنا البشري، طبعًا مع الفارق الكبير بين البشر المحدود في كل صفاته وقدراته وشخصه في ثالوثه والله غير المحدود في صفاته وقدراته وشخصه في ثالوثه. فعندما نفكر في الثالوث يجب ألا نظن أن معناه ١+١+١ = ١، بل الواقع أن الله غير محدود في كل أقانيمه، وبما أنه أعلن عن نفسه في ثلاثة أقانيم غير محدودة، فالمعادلة الأصح هي لانهاية × لانهاية × لانهاية = لا نهاية، أو: 

 ∞ x ∞ x ∞ = ∞

والسبب في هذه المعادلة يعود لإعلان الله عن ذاته عبر الأنبياء وفي الكتب، فكان من الضروري أن نتكلم عن ثالوث وليس ثلاثة ولا ثالث ثلاثة، بل الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد. هل بدأت تفهم سبب تمسكنا في تعريف الله الواحد بهذه الطريقة؟ السبب هو أنه أعلن هذا عن نفسه. وهذا الإعلان غريب على أي تصوّر بشري، والتفكير به معقد ولكن ليس مستحيل. وإن كان هذا يدل على شيء، فإنه يدل على أن مصدر هذا الإعلان يفوق التصور البشري.

حسن: ربما ابتدأت أرى الأمر من منظورك وأفهمك مع إني أخشى الشرك.

بطرس: الشرك هو أن تضيف وتعبد شخصًا مع الله ولكن المسيحية لا تشرك بالله أحدًا.

حسن: ألا يوجد عندكم مَن دعى لعبادة المسيح وأمه من دون الله؟

بطرس: لا يوجد هذا أبدًاعلى ماأعلم، على الأقل المسيحية لا تدعو لعبادة المسيح وأمه من دون الله، ولا تدعو لعبادة البشر أبدًا. الإيمان المسيحي واضح: "نؤمن بإله واحد!" هو أول جملة وشهادة في قانون الإيمان المسيحي.

حسن: غريب! ولكن كيف تعبد في الثالوث ولمن تصلي؟

بطرس: نعبد الله وحده لا شريك له ونصلي للآب بِسم الابن عبر الروح القدس الذي يشفع فينا. لأن المسيح علمنا بوضوح أن الله لا يقبل العبادة إلا بالروح والحق. وعلمنا أيضًا أنه هو الحق، وأن الروح القدس سوف يسكن فينا. وتضيف كلمة الله عن الروح القدس أنه {يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا يُنطق بها}. بمعنى آخر الروح القدس يعزينا ويعيننا في الصلاة إلى الآب بِسم الابن. وعلى كلٍ، فكِّر بالأمر من جهتك كبشري، عندما تصلي إلى الله مَن الذي يصلي؟ جسدك، نفسك، أم روحك؟

حسن: سأفكر في ذلك، ولكن ألا ترى أن كلامك عن الله يعطي انطباعًا أن هناك ثلاثة آلهة؟

بطرس: عندما تحزن نفسك ويذرف جسدك الدموع هل أنت شخصان؟ من الطبيعي أن يتفاعل كل وجودك، كل بحسب ما هو خاص به، وهذا نراه في شخصنا البشري المحدود. فما بالك في كل أقنوم من أقانيم الله غير المحدود. فمثلًا نجد المسيح يجيب رجال الدين في مكان وهو في نفس الآن يشفي في مكان آخر، وفي نفس الآن يقول إنه جالس في السماء. فكيف يكون في ثلاثة أماكن في نفس الآن. لا أستوعب كونه كلي الوجود ولكن كلماته تقرِّب هذه الفكرة لذهن بشريتي.

حسن: الصراحة كلام جديد علي لم أسمع تفاصيله من قبل. طبعًا عندما تكون نفسي حزينة وإن بكت عيناي أم لم تبكيا فجسدي هو غير نفسي ونفسي هي غير جسدي ومع ذلك فجسدي ونفسي واحد مع الفارق الملحوظ بينهما.

بطرس: هذه أقرب صور أستطيع أن أراها لتقديم فهمنا لله مع أن الصور تعطي مجرد لمحة عن الأصل والله نفسه هو الذي أسمانا بصورته عندما خلقنا، إذ أعلمنا موسى كليم الله في التوراة: {فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم}. ولكن الكتاب يعلمنا أن الصورة تشوهت بسبب الخطية. والمسيح هو أفضل صورة للإنسان الكامل، وتجسده أعلن لنا الصورة الحقيقية للإنسان كما أرادها الله. 

حسن: أنا أوافق أن المسيح كنبي قد أعلن لنا كلمات عن الله كما أوحي إليه ولكن لا أقبل ما تقوله، فكيف يكون الله تجسد في المسيح والمسيح وأمه كانا يأكلان الطعام ويذهبان إلى المرحاض، هل يذهب الله للمرحاض؟ هل يحتاج الله للأكل؟

بطرس: طبعًا الكتاب يعلم بوضوح أن الله لا يأكل، ولكن الجسد في كل ما خلقه الله من أجساد يحتاج أن يأكل. فالمسيح كان يأكل ويشرب بالجسد كأي جسد آخر. فلا الطعام عيب ولا الذهاب للمرحاض عيب، بل هو في صميم خليقة الله لكل ذي جسد حي، ولا عيب فيما خلقه الله. فالله خلق الإنسان في أحسن تقويم ومن ضمن خلقه لجسد البشر هو الأكل والذهاب للمرحاض ولا يعيب ذلك الأجساد التي أعطاها الله هذه الوظائف، بل هو نفسه قال عن كل ما خلقه أنه حسن. 

وفكِّر في الموضوع من ناحية ملابسك التي ترتديها. كل الملابس لها مميزات معينة وطرق عناية خاصة بها. هل كون الملابس بحاجة للاهتمام بها يعني أنك سيء كإنسان عندما ترتديها؟ بالطبع لا. من الطبيعي أن نهتم بالملابس بحسب احتياجها وأن نهتم بالسيارات وصيانتها بحسب احتياجها وغيرها من الأشياء التي نستخدمها وتحتاج لصيانة معينة. هكذا أيضًا الجسد بحاجة للاهتمام به وكون الله هو الذي أعطى الأجساد، فلا أجد سببًا يمنعه من أن يلبس جسدًا ويسير بيننا كي يخاطبنا بطريقة نفهمها إن شاء أن يفعل ذلك، فكل ما عليه أن يقول "كُن" فيكون كما قال.

حسن: التجسد تقريبًا فهمته، وإن كنت لست متأكدًا أني أقبله، ولكن هذا سؤال أهم لك، كيف يموت الله إن كان المسيح هو الله ومَن يهتم بالكون عندما يموت الله؟ ألا تقولون إننا به نحيا ونتحرك ونوجد؟ فكيف يموت ونوجد في نفس الآن؟

بطرس: سؤال مهم جدًا أن نفهمه عبر تفصيله. محور السؤال هو الإجابة عن ماهية الموت. الموت في المسيحية ليس هو الفناء، بل العبور إلى مكان آخر في انتظار القيامة. والكتاب يقول عن المسيح: {فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل خطايانا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله، مماتًا في الجسد ولكن مُحيًى في الروح، الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن}. لاحظ أن دخول الله إلى عالم الأموات بالجسد كان له تأثير إيجابي في المكان الذي كان ينتظر فيه الأموات القيامة. والمسيح أعلن رسالة الإنجيل للذين كانوا قد ماتوا في ذلك المكان. فالمسيح قال أنا هو القيامة والحياة، وذهابه إلى عالم الموت كان ليعطي الأموات الحياة الأبدية. فالله لا يفنى، وذهاب المسيح الموجود في كل مكان إلى مكان انتظار القيامة ليس بالصعب تخيله إن فهمنا أن الموت لا يعني الفناء وأن المسيح كليّ الوجود وليس محدودًا.

حسن: أعطيتني الكثير لأفكر به. دعنا نشرب القهوة الآن لأن أختك عائشة قد جهزتها. 

 

 

 

Related

You need to login in order to comment