!حاشاك يا رب - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
!حاشاك يا رب
19 April 2019

!حاشاك يا رب

كثيرون يتساءلون عن الأهمية العظمى التي يعطيها المسيحيون للآلام التي مرَّ بها المسيح منذ القبض عليه في بستان جثسيماني وحتى موته على الصليب. هل كانت هناك ضرورة تُحتِّم أن يتألم المسيح؟ و ما المشكلة في حذف هذا الجزء من حياته؟ لمَ كل هذا الإصرار على حقيقة تعرُّض المسيح لهذه الآلام على الرغم من أن حذفها قد يجعل أعدادًا غفيرة من البشر يؤمنون به؟

إن هذا الإصرار من قِبَل المسيحيين يأتي من موقف المسيح شخصيًا تجاه هذا الأمر... يقول لنا الكتاب المقدس إنه باقتراب وقت آلامه وصلبه، بدأ المسيح يُعِدُّ تلاميذه له. وما كان من بطرس، أحد أقرب هؤلاء التلاميذ، إلا أن انفرد به وقال له "حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!" فالتفت المسيح وقال لبطرس هذه الكلمات: "اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس". (يمكنك أن تقرأ هذه الحادثة في متى ١٦)

قد يعتبر البعض رد المسيح قاسيًا. لمَ كل هذا الإنفعال أمام خوف بطرس على معلمه، الذي إن دلَّ على شيء فهو يدُّل على محبته له؟ لكن رد المسيح هو في الحقيقة أكبر دليل على محبته لبطرس ولكل البشر. ولا يمكننا أن نفهم هذا الأمر إلا إذا عرفنا لماذا كان لابد أن يتألم المسيح.

لنعُد إلى مشهد سقوط آدم في الخطية أثناء وجوده في جنة عدن. إلى مَن أخطأ آدم؟ لقد أخطأ إلى الله شخصيًا. وماذا حدث حين أخطأ آدم؟ لقد فقد حالة البر والقداسة التى كان عليها قبل السقوط. ولو كان آدم قد حافظ على هذه الحالة البارة، لكان ورَّثها لكل نسله. لذا وبنفس المنطق، حين فقد آدم هذه الحالة وأصبحت له طبيعة ساقطة، قام بتوريث هذا الفساد لكل نسله. وكان على آدم أن يتحمَّل نتيجة قراره. كان يجب أن يموت لكي يتحقق عدل الله الذي كان قد حذره منذ البداية قائلًا إنه لو أخطأ فلابد أن يموت. ولكن الله في محبته للإنسان الذي خلقه على صورته كشبهه قرر أن يكون هناك فداء لآدم ولكل نسله. وهنا تأتي آلام المسيح كعلامة على الحب الإلهي: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ" (يوحنا ٣: ١٦).

وحيث أن الخطية كانت ضد الله غير المحدود، كان لابد أن يكون الفادي على نفس مستوى الله. كما كان يجب أن يكون إنسان بلا عيب ولا عليه دين مثلنا نحن الخطاة ، وبذلك يقدر أن يسدد عنا دين الخطية ويرفع العقاب الواقع علينا. وهكذا اتخذ الله جسدًا وتشبَّه بنا فى كل شيء ما عدا الخطية، كما تقول الرسالة إلى العبرانيين ٤: ١٥: "لأنْ ليس لنا رَئيسُ كهَنَةٍ غَيرُ قادِرٍ أنْ يَرثيَ لضَعَفاتِنا، بل مُجَرَّبٌ في كُلِّ شَيءٍ مِثلُنا، بلا خَطيَّةٍ". وكان الهدف النهائي لهذا التجسد هو أن يموت لكي يتحقق العدل الإلهي. وقد تكلم النبي إشعياء عن الخطية التي تسببت في آلام المسيح بقوله: "وهو مَجروحٌ لأجلِ مَعاصينا، مَسحوقٌ لأجلِ آثامِنا. تأديبُ سلامِنا علَيهِ، وبحُبُرِهِ شُفينا" (إشعياء ٥٣: ٥).

لقد صُبَ غضب الله ضد الخطية على رأس يسوع وتجمَّع لهيب النار وأحرقت نار الأبدية جسد يسوع على الصليب، وقد وصلت هذه الآلام إلى ذروتها فى الساعات الثلاث الأخيرة حتى يأخذ المسيح العقاب، ودينونة الله، وحكم الموت عوضًا عنا، بحسب إشعياء ٥٣: ٨ "مِنَ الضُّغطَةِ ومِنَ الدَّينونَةِ أُخِذَ. وفي جيلِهِ مَنْ كانَ يَظُنُّ أنَّهُ قُطِعَ مِنْ أرضِ الأحياءِ، أنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أجلِ ذَنبِ شَعبي؟". لقد تألم المسيح بكامل اختياره لكي لا يكون على مَن يؤمن به أية دينونة كما نقرأ في رومية ٨: ١ "إذًا لا شَيءَ مِنَ الدَّينونَةِ الآنَ علَى الّذينَ هُم في المَسيحِ يَسوعَ"؛ وفي ٢ كورنثوس ٥: ٢١ "لأنَّهُ جَعَلَ الّذي لَمْ يَعرِفْ خَطيَّةً، خَطيَّةً لأجلِنا، لنَصيرَ نَحنُ برَّ اللهِ فيهِ".

تألم المسيح أيضًا لكي يقدسنا بحسب عبرانيين ١٣: ١٢ "لذلكَ يَسوعُ أيضًا، لكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعبَ بدَمِ نَفسِهِ، تألم خارِجَ البابِ".

لكنه تألم أيضًا ليعيننا وقت الألم تاركًا لنا مثالًا. يمكننا أن نقرأ في عبرانيين ٢: ١٨ هذه الكلمات: "لأنَّهُ في ما هو قد تألم مُجَرَّبًا يَقدِرُ أنْ يُعينَ المُجَرَّبينَ". هكذا نفهم أن المسيح تحمل أصعب الآلام قبلنا حتى يكون سابقًا لنا في كل شيء: فى آلامنا وفى ضيقاتنا. فإذا كنتَ قد ظُلمتَ، فاعلم أنه قد ظُلم؛ وإذا كنتَ قد أُهنتَ فهو قد أُهين؛ وإذا كنتَ قد شُتمتَ، فهو قد شُتم ولم يَشتم عوضًا؛ وإذا كنتَ قد ضُربت،فهو قد ضُرب. وكل هذا حتى يقول لي ولك إنه يشعر بنا وبآلامنا وبضيقاتنا وإنه قد مَرَّ بالفعل بكل ما نمرُّ به بالرغم من عدم استحقاقه لهذا الألم لكونه بار وقدوس، ولأنه كان يجول يصنع كل خير ويمد يد الرحمة لكل شخص يلجأ إليه. لذا فلنا ثقة اليوم أنه يشعر بنا وأنه قادر أن يخلصنا من كل ضيقاتنا وآلامنا ومن كل ظلم يقع علينا خاصةً إذا كان من أجل حبنا له. وهذه الثقة تزداد وتتثبت عندما نفهم أن المسيح ذاق كل أنواع الآلام: الجسدية والنفسية والكفَّارية.

نرى الآلام الجسدية في الجلدات، والإهانات، والشوك على الجبين، والمسامير فى الرجلين واليدين، والطعن بالحربة فى جنبه؛ نراها عندما حمل الصليب لمسافة طويلة  وهو منهك، وعندما نشف حلقه من كثرة العطش وطلب ماء فسقوه خلًا بدلًا من الماء.

وماذا عن الآلام النفسية؟ لقد جردوا المسيح من ملابسه وتعرَّض لمهانة أن يُعلَّق عاريًا على الصليب (لوقا ٢٣: ٣٤)؛ لقد تحمَّل المسيح اللعنة المُعلَنة على كل مَن يُعلَّق على خشبة (غلاطية ٣: ١٣)؛ لقد بُصِق على المسيح وتم الاستهزاء به (متى ٢٦: ٦٧-٦٨؛ ٢٧: ٣٠)؛ لقد صُلب بين لصَّين.

أما عن أقسى نوع من الآلام التي تعرَّض لها المسيح فهي الآلام الكفَّارية عندما حجب الله الآب وجهه عن الابن يسوع المسيح. فنجد هنا أهم الآلام وهى آلام العدل الإلهي. فالمسيح تألم على الصليب لمدة ستة ساعات من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثاثة عصرًا بحسب التوقيت الشرقي. فكانت الساعات الثلاث الأولى آلام من يد البشر وكانت هذه الآلام أخف بكثير من الساعات الثلاثة الأخيرة التى فيها أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل وتزلزلت الأرض وتشققت الصخور (متى ٢٧: ٥١ ولوقا ٢٣: ٤٥)، حتى أن المسيح صرخ بصوت عظيم "إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى ٢٧: ٤٦).

والسؤال الآن هو: هل كان المسيح مُدركًا لهول ما كان سيعانيه حين قال لبطرس: "اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس"؟

بكل تأكيد كان المسيح يعرف كل تفاصيل هذه الآلام التي كان مُقبلًا عليها. وصلاته في بستان جثسيماني قبل القبض عليه هي الدليل: "يا أبَتاهُ، إنْ أمكَنَ فلتَعبُرْ عَنّي هذِهِ الكأسُ ...". لماذا إذًا انتهر بطرس بهذه الطريقة التي تبدو لنا قاسية؟ والإجابة تأتي في النصف الثاني من صلاة جثسيماني: "... ولكن ليس كما أُريدُ أنا بل كما تُريدُ أنتَ" (متى ٢٦)

لقد فهم بطرس السبب الذي جعل معلمه يوبخه بهذه الطريقة. لم يفهم فقط، بل شعر بالامتنان له لأنه لم يأخذ بنصيحته. وقد ترجَم امتنانه هذا بأن سار هو نفسه في طريق معلمه؛ إذ تألم بطرس واضطُهِد بسبب تبشيره بموت وقيامة المسيح حتى انتهت حياته على صليب مثل سيده!

لكن مازال هناك الكثيرين الذين يتخذون موقف بطرس قبل الصليب والقيامة، ويرددون ما قاله بطرس للمسيح: "حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!" إلا أن المسيح لم يغيِّر رأيه تجاه هذا الموقف.

وعلينا جميعًا أن نضع آيات الإصحاح الثاني من الرسالة إلى العبرانيين نُصب أعيننا قبل اتخاذ موقفًا من آلام المسيح: "لذلكَ يَجِبُ أنْ نَتَنَبَّهَ أكثَرَ إلَى ما سمِعنا لئَلّا نَفوتهُ، لأنَّهُ إنْ كانتِ الكلِمَةُ الّتي تكلَّمَ بها مَلائكَةٌ قد صارَتْ ثابِتَةً، وكُلُّ تعَدٍّ ومَعصيَةٍ نالَ مُجازاةً عادِلَةً، فكيفَ نَنجو نَحنُ إنْ أهمَلنا خَلاصًا هذا مِقدارُهُ؟"

ثم يكرر كاتب رسالة العبرانيين هذه الدعوة ثلاث مرات: "اليومَ، إنْ سمِعتُمْ صوتَهُ، فلا تُقَسّوا قُلوبَكُمْ".

إن كان صوته قد وصل إليك، صلِّ هذه الصلاة: يارب يسوع افتح قلبي حتى أدرك هذا الحب العجيب وكل آلام الصليب التي كانت من أجلي أنا. لقد ذُقتَ ألم الموت الرهيب مُظهرًا حبًا وعطفًا نحوي يا حبيب. أرجوك خذني قرب الصليب حتى أدرك هذا الحب العجيب. آمين.

آية للحفظ : "لأنَّهُ في ما هو قد تألم مُجَرَّبًا يَقدِرُ أنْ يُعينَ المُجَرَّبينَ" (عبرانيين ٢: ١٨).

Related

You need to login in order to comment