أصدقاء الربيع - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
أصدقاء الربيع
19 April 2019

أصدقاء الربيع

أين ذهبوا؟ كانوا حولي والآن لم أعد أراهم؟ ألم يحتفلوا معي ويفرحوا معي؟ لماذا أنا وحيد الآن؟ لماذا لا أجدهم حولي عندما أكون في أمَسّ الحاجة إليهم؟

كانت هذه الكلمات هي التي سمعتها من شخص كانت عنده الأموال وبعد أن صرف أكثرها ولم يعد يستطيع أن يصرفها على أصدقاء الربيع، ابتدأ هؤلاء الأصدقاء ينصرفون عنه. ثم دخل صديقنا وحيدًا في شتاء قارس وموحش من شدة الوحدة. هل حدث هذا معك؟ هل كان يحيطك أصدقاء وأحباب لأنك كنت في وسط الأضواء واختفوا عندما انطفأت تلك الأضواء في وقت كنت في أمَسّ الحاجة لمن يقف إلى جانبك؟

ذات يوم أتى المسيح إلى أورشليم، أتاها على جحش وليس على حصانِ فارس. أتاها مع جمع تبعه لظنهم أنهم فهموا من هو. فقد اعتقدوا أنه جاء لكي يكون ملكًا ينجي إسرائيل من حكم الغرب ويعيد لها جمالها وعظمتها التي تحلت بها عندما ملك عليها الملك سليمان. وعندما سمع البعض أصوات الابتهاج، انضموا إلى الجمع واحتفلوا وعلّوا أصواتهم بكلمات نبؤات مضت عليها قرون كثيرة وهم ينتظرون أن تتحقق. هل تسمع أناشيدهم؟ هل ترى فرحهم وهم يحملون سعف النخيل ويسيرون في موكب الاحتفال، بل ويخلعون أثوابهم ويضعونها تحت أرجل هذا الملك لكيلا تطأ رجله بحجر؟ هل كانوا ينصاعون لأمر الرب في سفر اللاويين: {وتأخذون لأنفسكم في اليوم الأول ثمر أشجار بهجة وسعف النخل وأغصان غبياء وصفصاف الوادي. وتفرحون أمام الرب إلهكم سبعة أيام.} (لاويين ٢٣: ٤٠)، سواء عن وعي أو بدون وعي؟

ما هذه الكلمات التي ينشدونها وهم فرحين؟ "أوصنا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب! أوصانا في الأعالي!" (متى ٢١: ٩). عندما أقرأ هذه الكلمات أتذكر كيف كنت أخرج في مظاهرات مع طلاب المدارس وننشد أشياء بحماس دون أن ندري ما نقول. كنا نردد ما يقال. المهم أننا كنا مع الجماعة دون الاكتراث لما يقال ومدى أبعاده. المهم أن نُحسب مع من شاركوا، عسى ولعل. هكذا كان الحال في أورشليم ذلك اليوم. 

لم يعِ الذين كانوا يرددون هذه الكلمات أنهم يتممون ما هو مكتوب في كتبهم. هل فهموها خطأ، ألم تأتِ أو تتبادر لأذهانهم أبدًا؟ الله أعلم. ولكن أنبياؤهم كانوا قد أخبروهم بهذه العبارات:

"ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون! اهتفي يا بنت أورشليم! هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان" (النبي زكريا ٩:٩).

هل كان هذا سبب فرحهم؟ ربما الذين بادروا بالاحتفال هم الذين تذكروا هذه الكلمات والباقين فقط تبعوا الحشد وهتفوا معهم. ربما! ولكن ما هذه الكلمات المتناقدة كيف يكون وديعًا ومنتصرًا؟ كيف يكون حملًا وأسدًا في نفس الوقت؟ وهل الفارس يركب الحمار والجحش؟ ألا يركب الحصان الأبيض؟

هل تذكَّروا نبوات ملكهم داود الذي تنبأ عن المسيح قائلًا: "ارفعن أيتها الارتاج رؤوسكنَّ وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات، فيدخل ملك المجد" (مزمور النبي داود ٢٤: ٧)؟ لا أعلم!

ولكن ما أقرأه هو أنهم احتفلوا إلى أن ارتجت المدينة كلها في فترة الأعياد والكل يسأل {"من هذا؟". فقال الجموع: "هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل"} (متى ٢١: ١٠-١١). 

الآن فهمت، الجموع كانت تريد المسيح أن يكون نبيًا وهذا كان أملهم به. ولكنهم عاملوه معاملة ولي العهد، كما فعل أجدادهم مع ياهو، إذ أقرأ في كتبهم: {هكذا قال الرب قد مسحتك ملكًا على إسرائيل. فبادر كل واحد وأخذ ثوبه ووضعه تحته على الدرج نفسه وضربوا بالبوق وقالوا: "قد ملك ياهو!"} (الملوك الثاني ٩: ١٢-١٣). إذًا هذه عادتهم مع الذي يمسحه الرب كملك. وهذا يعني أن البعض اعترف به ملكًا وقام باستقباله كملك والبعض قال إنه نبي واستقبله كنبي. ولكن الصياح ملأ المدينة ضجيجًا لحد الارتجاج والسؤال عن هوية هذا الضيف الذي يدخل أورشليم مع الحجاج في هذا الحفل خلال التحضير لعيد الفصح اليهودي. 

هل فرح رجال الدين بتتميم النبوات التي طالما تكلموا عنها وفسروها وقدموا خطاباتهم عنها؟ يخبرنا شاهد العيان اليهودي متى، {فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع، والأولاد يصرخون في الهيكل ويقولون: "أوصنا لابن داود!"، غضبوا وقالوا له: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟"

فقال لهم يسوع: "نعم! أما قرأتم قط: من أفواه الأطفال والرُّضَّع هيّأت تسبيحًا"؟ 

ثم تركهم وخرج خارج المدينة...وبات هناك} (متى ٢١: ١٥-١٧).

يا رجال الدين الذين تدعون الناس إلى الله، أتخرجون الآتي باسم الرب خارج المدينة لينام بعيدًا عن مدينته؟

إذًا، البعض أراد المسيح أن يكون ملكًا يهوديًا يخلصهم من الاحتلال الأجنبي، والبعض أراد المسيح أن يكون نبيًا كغيره من الأنبياء، ولكنه لم يرضَ بذلك بل قال إن بيت الله بيته، وقال إن الأولاد يسبحوه والمعروف أن الآية تشير لحمد الأولاد لله وبذلك كان يعادل نفسه بالله. وهذا لم يخفَ عن رجال الدين الذين كانوا ينتظرون ملكًا، وينتظرون نبيًا، ولكن لم يكونوا يريدون شخصًا يقوم بأعمال إلهية ويقبل التسبيح ويأخذ منهم بيت الله ويقول إنه بيته هو، ويوجه الآيات المكتوبة عن الله إلى ذاته هو وهو بشر. كيف يكفر هذا الإنسان؟ هل هو مجنون؟ هل لمسه الشيطان؟ هل يكفر بكل إصرار وتصميم؟

أرسلوا له الدعوة لكي يأتي ويمثل أمام القضاء. فكيف يصمتون على هذا الكفر والشغب الذي سوف يسببه وخاصة في وقت العيد واليهود والأجانب الذين يؤمنون بالله يأتون ليحجوا في بيت الله ويسمعون كلمات كهذه؟ هل نلومهم؟ كيف يدعي أنه إلههم بقوله هذه الكلمات، ويحاججهم علنًا؟ هم حراس العقيدة. هم معلمو الشريعة. هم أصحاب البلد التي بسبب ما حدث فيها الآن قد يجد الأجانب عذرًا لتوسيع نفوذهم فيها. كيف يحموا حمى البلاد وهذا الناصري يقول إنه ملك؟ كيف سيجيب قيصر على هذا؟ لابد من محاكمته وبسرعة.

مَثَل المسيح أمام القضاء الديني بعد أن قبضت عليه السلطات وهرب تلاميذه وأنكروا معرفتهم به. وكان السؤال واضح وبدون مراوغة موجه من رئيس الكهنة إلى المسيح الذي بقي صامتًا: {فأجاب رئيس الكهنة وقال له: "استحلفك بالله الحي أن تقول لنا، هل أنت المسيح ابن الله؟" 

قال له يسوع: "أنت قلت! وأيضًا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء"} (متى ٢٦: ٦٣-٦٤).

كان السامعين رجال الشريعة وأصحاب العلم ولم يفوتهم كما قد يفوتني ما عناه المسيح بهذه الكلمات المأخوذة عن النبي اليهودي الذي لقبه الله بالرجل المحبوب، النبي دانيال، الذي كان قد تنبأ بما رآه قائلًا: {كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى قديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له الشعوب والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض. أما أنا دانيال فحزنت روحي في وسط جسمي وافزعتني رؤى رأسي} (دانيال ٧).

هذا الذي يشبه ابن الإنسان وسوف تعبده كل الشعوب مع رؤسائها إلى الأبد هو ما كان يفهمه رجال الدين ويلقون عنه الخطب في تعليمهم. ولكن كيف يكون "يسوع الناصري" هذا هو المسيح الموعود؟ هذا كفر! أراد رئيس الكهنة أن يعطي يسوع فرصة أخيرة للتوبة قبل أن يصدر عليه الحكم، ولكن المسيح لم يقبل أن يكون إلا "المسيح ابن الله". 

فشق رئيس الكهنة ثوبه كعلامة أنه لا يقبل هذا الكفر وقال: {قد جدف! ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ ها قد سمعتم تجديفه! ماذا ترون؟" فأجابوا وقالوا: "إنه مستوجب الموت".

وعند مجيء الصبح الذي أشرق به الرب على هؤلاء الكهنة، تشاوروا هم مع رجال السلطة على كيفية قتل يسوع.

"فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس الوالي الروماني" الذي كان بيده الحق الشرعي لإصدار حكم الإعدام بتهمة التحريض ضد الاحتلال الغربي لبلادهم. 

فسأله الوالي عندما مثل أمامه: {"أأنت ملك اليهود؟" فقال له يسوع: "أنت تقول"} (متى ٢٧).

وبعد هذا صمت المسيح ورؤساء الدين يوجهون الاتهامات على ابن بلدهم أمام سلطات الاحتلال مع أن الحاكم الروماني بيلاطس رأى أن المسيح لم يخطئ ولا يستحق الموت. وعوضًا عن أن يأخذ موقفًا يشرفّهُ عليه التاريخ، خاف على منصبه وانصاع لرجال الدين الذين أهاجوا الشعب لكي يحققوا ما يريدون: {فكانوا يزدادون صراخًا قائلين: "ليصلب!"} (متى ٢٧: ٢٢). 

ما هذا يا أصدقاء الربيع؟ ألم تصرخوا وتهللوا بمجيئه؟ كيف تقلبتم خلال بضعة أيام وانقلبتم من الهتاف له للهتاف ضده؟ أهكذا يا تلاميذ المسيح تبدلون هتافكم بالمسيح المنتصر بالهرب وتركه وحيدًا في شدته؟ أهكذا يا شعب أورشليم، بهذه السهولة تبدلون الأغصان والسعف ورموز الترحيب بالملك الآتي باسم الرب؟ وعندما حلت ساعة محاكمة رب المجد، اتصرخون: "اصلبه. دمه علينا وعلى أولادنا؟" يا سرعان تغيركم وتبدلكم. أنتم فعلًا تستطيعون أن تعطوا الأفعى درسًا في تغيير جلدها!

وأنتم أيها القراء، ما هو موقفكم من المسيح؟ هل تقبلونه كملك لليهود؟ هل تقبلونه كنبي من الناصرة؟ أم هل كنتم ستوافقون مع رئيس الكهنة اليهودي وتمزقون ثيابكم لكفر المسيح في أقواله وأفعاله التي بها أعلن عن أنه هو الذي ستعبده كل الشعوب إلى الأبد؟ أم هل كنتم ستوافقون الحاكم الأجنبي وتسيرون كما تريد الجماهير الغفيرة وتصرخون مع الصارخين "كافر! اقتله!"؟ ما هو رأيكم في المسيح؟

 سأل المسيح تلاميذه قبل هذه المحاكمة بأيام قليلة قائلًا، {"من يقول الناس إني أنا، ابن الإنسان؟" فقالوا: "قوم يوحنا المعمدان. وآخرون إيليا. وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء". فقال لهم: "وأنتم؟ من تقولون إني أنا؟" فأجاب سمعان بطرس وقال: "أنت هو المسيح ابن الله الحي." فأجاب يسوع وقال له: "طوبى لك يا سمعان بن يونا. إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات ... "} (متى ١٦: ١٣- ١٧).

يا قراء هذا المقال، سؤال المسيح المصيري موجه لكم: "من تقولون إني أنا؟"

 

Related

You need to login in order to comment