هل استوى إلهك؟ - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
هل استوى إلهك؟
01 March 2019

هل استوى إلهك؟

أغلق عينيك لثواني وأطلق لمخيلتك العنان حول هذه الفكرة: عندما تسمع كلمة "الله" ما الذي يأتي لمخيلتك؟ توقف واكتب أو عبِّر شفاهيًا قبل أن تكمِل القراءة. قد تجد هذا السؤال مفيدًا أيضًا حول المائدة، اسأله لعائلتك وخُذ أفكارهم دون الحكم عليهم.

مع أننا جميعًا نقول كلمة "الله"، إلا أن الواقع هو أننا لا نتفق على ما نتخيله عند قولها. ولكي نصل للصحيح، علينا أن نرى الرب وجهًا لوجه. 

ولكن هذا لا يمكن بشكله الإلهي لأنه لا يوجد إنسان يستطيع أن يرى الله ويحيا، كما قال الرب للنبي موسى "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش"، وهذا طبعًا بسبب الخطية التي وقع بها أبونا آدم، وهو سبب عزلنا عن الوقوف في محضر الرب كما كان هو وحواء في البدء.

ومما يعسِّر علينا رؤية ومعرفة الله الحقيقي هو انشغالنا في أمور هذه الحياة. فلكون حياتنا على الأرض قصيرة، نسرع للتلذذ بما نجده مبهجًا لنا. ونرى في الكتاب صورة لاشمئزاز الرب من هذا التصرف الذي لخصته كلمته بالقول: {وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب} وقد فعلوا ذلك بعدما صنعوا عجلًا لهم كإله ثم ذبحوا وشووا اللحم وأكلوا (أنظر الخروج ٣٢). 

بمعنى آخر، إن لم يتدخل الرب ليعلن عن ذاته الحق، لكان البشر ضاعوا في صرف حياتهم القصيرة ولم يستثمرونها حق الاستثمار، ولم يعرفوا حقًا من هو.

ولذلك تدخل الرب بثلاثة طرق لكي يكشف لنا عن ذاته دون أن نراه ونموت، وبها نستطيع أن نُشكل الفكرة الصحيحة عن الرب في مخيلتنا عند الصلاة إليه والكلام معه. وهذه الطرق تتطلب مُبادرة من الله، لأن الإنسان مهما علا لا يستطيع الوصول إليه، لأنه جل جلاله عن أن يصل إليه البشر بمجهودهم البشري الذاتي. وهذه الطرق هي:

أن يتكلم بصوت من السماء: وهذا ما فعله عند معمودية المسيح وهو ما شهد به يوحنا المعمدان المعروف بالنبي يحيى.

أن يرسل رسالته عبر وسيط: وهذا ما فعله بإرسال ملائكة وأنبياء بعدة طرق وأنواع.

أن يأتي بنفسه بشكل يستطيع الإنسان أن يراه ويحتك به: وهذا ما فعله عند تجسد الكلمة، الأقنوم الثاني الذي أخذ جسدًا بشريًا، لأنه أحبنا وأراد أن يعلن لنا ذاته.

وهذا ما فعله الله فعلًا ليرينا صفاته بطريقة نستوعبها ونحتك بها. وبعد أن كلمنا عبر الأنبياء، تجسد الكلمة الذي خلق الكون بشخص سُمي من السماء، يسوع المسيح، "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء الذي به أيضًا عمل العالمين" (الرسالة إلى العبرانيين ١: ١-٢). 

وهذا فعلًا ما أعلنه الروح لتلميذ المسيح يوحنا، الملقب "الحبيب"، فكتب: {قال فيلبس: "يا سيد، ارنا الآب وكفانا". قال له يسوع: "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟"}(يوحنا ١٤: ٨-٩). 

وقد عبّر الله عن نفسه بصفات كثيرة، نركز اليوم على واحدة منها أعلنها المسيح كعلامة مميزة لله الحق: {أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل}. وعوضًا عن الفرح بأن الله لا يزل يهمه أمرهم ويعمل من أجلهم كان رد سامعيه: {فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا أن الله ابوه معادلًا نفسه بالله} (يوحنا ٥: ١٧-١٨).

لقد كانت كلمات المسيح بنظر سامعيه لا تتوافق مع فكرة الله التي أصبحت صنمًا في أذهانهم حتى الله نفسه لم يستطع أن يغيرها. تخيل معي أمك أو أبنك يقولون لك أنت لست من أنت ويصرون أن الشخص الذي أنت تقول إنك هو، هو شخص آخر. ويمنعونك من التعبير عن نفسك، كما أنت، بل يصرون على رؤيتهم عنك، أنها هي الصواب. فعلى سبيل المثال، قد تحب الموسيقى وعندك موهبة قوية كموسيقار، ولكنهم يصرون أنه عليك أن تكون طبيبًا، مع أنك تكره المرض ورؤية الدم والقيء. وبذلك لا يسمحون لك أن تُزهر وتسمو بمواهبك، بل يحدونك بفكرتهم ورؤيتهم لما هو مناسب، كما يظنون.

وهذا بالفعل ما حدث ويحدث يوميًا مع الله. فهو أعلن عن ذاته بوضوح من منظاره اللا محدود، فأخذ جسدًا وصار بيننا؛ ومن يمنعه من القيام بذلك وهو الذي قال للكون وكل ما هو موجود "كن"، فكان الوجود. ولكن البشر المحدودون في رؤيتهم يصرون أن يبقى الله في حدود المقبول لديهم ويصرون أن يكون طبيبًا لا موسيقارًا. وهنا تكمن المأساة، لأن خلاصهم وإيمانهم وأبديتهم مرتبطون بسماحهم لله أن يكون الله وبقبول محدودية فكرهم وعدم قدرتهم على استيعاب جلاله ولامحدوديته. ولكن هذه اللامحدودية تعثرهم، لأن فكرتهم عن وحدانية الله صارت صنمًا متحجرًا في دهنهم لا يستطيع الله نفسه أن يغيرها أو يشكلها، لرفضهم لذلك. ولكن الله اسمى من أن يفرض نفسه عليهم، فترك لهم حرية الإختيار، وترك لنفسه حرية التعبير عن نفسه.

ولهذا كانت دهشة المسيح عند مسيرته بين البشر، لأن الذين كانوا يقولون إنهم مؤمنين بالله ويدافعون عن الدين، لم يقبلوا أن يقول الله كلمة عن ذاته تغير الصنم الذي صنعوه له في مخيلتهم. ولهذا يقول الكتاب: {ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم ايمانهم. وصار يطوف القرى المحيطة يعلم} (مرقس ٦: ٥- ٦). لقد رفض سامعيه أن يؤمنوا به واعثرتهم انسانيته بالرغم من كل المعجزات والتعاليم، فيخبرنا الوحي عنهم أنهم قالوا: {أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ أوليست أخواته ههنا عندنا؟ فكانوا يعثرون} (مرقس ٦: ٣).

هل تريد أن يعبُر عنك الرب ولا يعينك في مشاكلك وامراضك واوجاعك؟ ما عليك سوى أن تتمسك بالله الصنم الذي هو في فكرك وترفض الله المتجسد وتعليمه. وهكذا تستطيع أن تبقى كما أنت ويعبر هو ليساعد آخرين.

إذاً، الله الحق، إله إبراهيم وموسى له علامات مميزة ومنها أنه لا يزال يعمل بكل أقانيمه، الآب والإبن والروح القدس، ولم يستوي على كرسيه ويتأمّر على البشر، بل يعمل إلى الآن.

وكون الآب والإبن والروح القدس لا يزالون يعملون، أسألك يا تلميذ المسيح، هل أنت تعمل أيضًا معهم من أجل خلاص من لم يسمعوا بشارته؟ هل تعلن للبشر الله الحق وتزيل الله الصنم من أفكارهم وتصحح رؤيتهم للرب كما هي في كلمته؟ أمر المسيح لنا واضح: {اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص. ومن لم يؤمن يُدن} (مرقس ١٥: ١٥- ١٦). وقد علمنا المسيح: {ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل} (يوحنا ٩: ٤). أي، مادام أمامنا فرصة أن نخبر الآخرين، يجب أن نقوم بذلك لأن وقتنا على الأرض محدود بمدة حياتنا وبموعد عودته ليدين العالم. فيا تلميذ المسيح اسأل الرب: كيف تريدني أن أخدمك اليوم وأتمم مشيئتك في حياتي؟ وفكِّر معي في هذا، ربك وسيدك يعمل، فكيف تستوي وتتربع على كرسيك؟ هل هذا المنظر يليق؟ ها هو الرب يخاطبك قائلًا: {أما عرفت أم لم تسمع؟ إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكلُ ولا يعيا. ليس عن فهمه فحص. يعطي المعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة." (إشعياء ٤٠: ٢٨-٢٩). فتشدد بالرب وقُم أعمل معه لخلاص البشر، وشارك هذه الرسالة مع آخرين لكي يعرفوه ويخدموه، ولا تلتهي بهذا العالم وتنشغل به عن دعوة الرب لك. فالكتاب يذكرنا: {كونوا متمثلين بي معًا أيها الإخوة، ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة. لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا... وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم، الذين يفتكرون في الأرضيات. فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها أيضًا ننتظر مُخلِّصًا هو الرب يسوع المسيح} (فيلبي ٣: ١٧- ٢٠). 

أما إذا كنت تتبع إلهًا قد استوى، فندعوك لمراجعة نفسك، هل أنت تؤمن بالله الحقيقي؟ أم بفكرة شكلها آخرون أو شكلتها بنفسك؟

آلهة العالم استوت وتمددت على كراسيها، مع علمنا أنه ليس هناك آلهة فعلًا بل الشيطان هو من أوحى بفكرتها، أما الإله الحقيقي فلا يزال يعمل ويتراءى لكثيرين. أنظر لإعلان الرب عن نفسه عبر الكتب والأنبياء وهروِّل إليه الآن وتعلم منه، فالله الحقيقي لا يزال يعمل ويدعوك إليه قبل مجيء الليل. 

 

Related

You need to login in order to comment