الشبيه الأعظم - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الشبيه الأعظم
28 December 2018

الشبيه الأعظم

جميعنا نفكر كثيرًا قبل اتخاذ أي قرار هام في حياتنا، وبالأخص حين يتعلق الأمر بقرار مصيري مثل تغيير العمل أو محل الإقامة أو اختيار التخصص الدراسي أو شريك الحياة، الخ. فكل هذه القرارات تترتب عليها أمور أخرى مهمة لحياتنا قد تؤدي إلى سعادتنا أو تعاستنا. وإن كانت هذه الأمور الأرضية الوقتية التي ستنتهي بانتهاء حياتنا على الأرض تستحق منا كل هذا التفكير، فماذا عن إيماننا الذي يحدد كل اتجاهاتنا في الحياة بل ويؤثر على كل القرارت التي تحدثنا عنها؟ ولكنه أيضًا، وهذا هو الأهم، يحدد المكان الذي سنقضي فيه أبديتنا. ولهذا السبب اهتم الله كثيرًا أن يتكلم مع الإنسان حتى لا يضِّل ويفقد أبديته. ومن أهم الطرق التي كلم الله بها الإنسان في القديم هي من خلال أنبياء مثل النبي موسى.

لقد كانت كل كلمات النبي موسى هدفها هو قيادة الشعب إلى طريق الخلاص. ومن أهم الكلمات التي نطق بها للشعب، نقرأ تلك الكلمات في سفر التثنية الذي دوَّن فيه آخر إرشاداته؛ أي أنه كان بمثابة الوصية الأخيرة للنبي موسى:

"يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. حسب ما طلبتَ من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلًا: {لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلا أموت}. قال لي الرب: {قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيهم به ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. وأما النبي الذي يُطغي، فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي. وإن قلتَ في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه}." (سفر التثنية ١٨: ١٥-١٩)

لقد كانت هذه الكلمات بمثابة نبوة وتنبيه في ذات الوقت. فقد تنبأ موسى أن الرب سيرسل لشعبه نبيًا مثله من وسطه سيتكلم بالحق، ثم حذرهم من الأنبياء الكذبة. وفي النهاية أعطاهم تعليمات واضحة تمكِّنهم من التمييز بين الكذب والحق. ولكي لا يدع الرب مجالًا لأن يخطئ الشعب في تمييز النبي الذي تكلم عنه موسى، بل أكد على أنه من نفس شعبه، أي من الشعب اليهودي؛ كما أكد أنه مثل موسى، أي أن هناك تشابه بين هذا النبي وبين موسى.

ومن أهم نقاط التشابه بين موسى وبين هذا النبي هو أنه يتكلَّم مع الله وجهًا لوجه. وفي نهاية سفر التثنية، نقرأ هذه الكلمات التي كُتبت بعد موت النبي موسى بوقت طويل: "ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه، وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أما أعين جميع إسرائيل." (تثنية ٣٤: ١٠-١٢)

وهذه الكلمات تشير إلى ما فهمه الشعب اليهودي من النبوة التي جاءت على لسان نبيهم موسى. فبعضهم فهم أن موسى كان يتكلم عن سلسلة الأنبياء الذين سيأتون من بعده، والبعض الآخر فهم أنه كان يتكلم عن شخصٍ بعينه. إلا أن مرور سنين طويلة دون أن يظهر أي نبيآخريتحدَّث مع الله وجهًا لوجه، رسخ لديهم الاعتقاد الثاني.

وفي بداية خدمة المسيح، نجد شهادات لأشخاص تبعوه تؤكد أنه هو مَن تنبأ عنه موسى. فنقرأ في يوحنا ٧: ٤٠ "فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي." وبكل وضوح قال فيلبس اليهودي، الذي أصبح فيما بعد أحد تلاميذ المسيح في يوحنا ١: ٤٦ "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة".

والآيات التالية هي السبيل لأن يعرف كل باحث أمين أوجه الشبه بين موسى والمسيح التي دعت مَن رأوه من اليهود يجزمون أنه هو مَن تكلم عنه موسى:

  • كلاهما نجا من مؤامره لقتله وهو بعد طفل: خروج ١: ١٥-١٦ / متى ٢: ١٦.
  • كلاهما تخلَّى عن مكانته العظيمة لكي يشابه شعبه المقهور: خروج ٢: ١٠ / ٢ كورنثوس ٨: ٩.
  • كلاهما أوضح لشعبه طريق الخلاص من الموت: خروج ١٢: ٢١-٢٣ / يوحنا ٥: ٢٤.
  • كلاهما رُفِضَ ممَن أتىلخدمتهم: خروج ١٧: ٤ / يوحنا ١: ١٠-١١.
  • كلاهما قدَّم نفسه ليأخذ العقاب عن شعبه: خروج ٣٢: ٣١-٣٢ / ٢ كورنثوس ٥: ٢١.
  • كلاهما كان وسيلة الله لإطلاق شعبه حرًا: خروج ١٣: ٣ / رومية ٨: ٢.

فيهود عصر المسيح شاهدوا أعماله وسمعوا أقواله ومن عرفه عن كثب وآمن منهم أعلن وشهد بوضوح أنه النبي المنتظر الذي تكلم عنه موسى. ولكي نفهم أهمية هذا النبي الشبيه بموسى لدى اليهود وحقيقة ما كان يعنيه لهم، دعونا نقرأ هذه الآيات التي دونها البشير يوحنا. "فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: {إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!} وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكًا، انصرف أيضًا إلى الجبل وحده." (يوحنا ٦: ١٤-١٥). نلاحظ من هذه الكلمات أنهم كانوا يتكلمون عنه بصيغة التعريف بقولهم "النبي". فهم لم يكونوا ينتظروا مجرد نبي آخر من بين أنبياء كثيرين، بل نبي بعينه. وكان التصرف الطبيعي لمعرفتهم له، هو أن يتوجوه ملكًا. وهذا لأن "النبي" المنتظر هو نفسه المسيَّا الملك.

وبالرغم من معرفتهم له، ومن أن كل تفصيلة من تفاصيل حياة المسيح تتحقق فيها نبوات أنبيائهم، إلا أن كثيرين منهم ظلوا متشككين ومترددين في الإيمان به. وهو ما يتضح في هذا الحدث الذي وقعفي مدينة الناصرة، المدينة التي تربى بها يسوع، والذي يرويه لنا البشير لوقا: ذهب يسوع إلى مجمعٍ في يوم سبت كعادته. إلا أن هذا اليوم لم يكن يومًا عاديًا كما كان يتوقع الجميع. فقد قام يسوع ليقرأ جزء من التوراة كما يحدث في المجمع اليهودي كل سبت. فأعطوه سفر إشعياء النبي، "ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه: {روح الرب عليَّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة}. ثم طوى السفر وسلَّمه إلى الخادم، وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: {إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم}. وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه، ويقولون: أليس هذا ابن يوسف؟" (لوقا ٤: ١٧-٢٢).

نرى في هذا المقطع المسيح يعلن صراحة عن كونه الشخص الذي تحدث عنه النبي إشعياء في النبوة التي قرأها لتوه. وبنظرة سريعة على حياة المسيح وأعماله، كان يجب أن يصدقه سامعيه: فالمسيح كان يتحنن على الناس فيصنع المعجزات ليطعمهم، ويشفيهم، ويحررهم، روحًا ونفسًا وجسدًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أقام من الموت شابًا كان وحيدًا لأمه ليشفي قلبها المكسور. ومنح البصر لعميان كثيرين. وحرَّر الكثيرين من قيود الخطية. كل هذه الأعمال كانت تشهد أنه مسيح الرب المنتظر الذي تنبأت عنه آيات إشعياء النبي وأنبياء كثر غيره. ولكن العجيب في هذا الحدث هي ردة فعل مَن كانوا بالمجمع. فقد شهدوا له بأن الكلمات الخارجة من فمه كانت كلمات نعمة لا يمكن لإنسان عادي أن ينطق بها. إلا أن محدودية عقولهم جعلتهم يرفضون الإيمان به.

وإلى اليوم يرفضه الكثيرون لأنهم لا يفتحون قلوبهم لقبول النعمة الخارجة من فمه، بل يؤثرون رفضه لعدم فهمهم له، ويستبدلون النعمة الحقيقية بنعمة ارتجالية، ويالها من خسارة هنا على الأرض، ومن بعدها في الأبديةّ! تعال إلى النعمة الحقيقية وتعال إلى الحق. لكن حين تأتي إليه اعلم أنه ليس مجرد نبي مثل موسى. بل أنه السبيل الوحيد إلى الخلاص. فبالرغم من التشابه بين موسى والمسيح إلا أن البشير يوحنا يؤكد أن المسيح هو الطريق إلى النعمة والحق "لأن الناموس [أي الشريعة] بموسى أعطي، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارَا" (يوحنا ١: ١٧).

Related

You need to login in order to comment