مبارك الآتي - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
 مبارك الآتي
18 December 2018

مبارك الآتي

هل تساءلتَ يومًا عن سبب ونتائج إيمانك بأمورٍ معينة ؟ أم أن الإيمان بالنسبة لك هو شيء تسلمته عن مَن سبقوك، الذين بدورهم تسلموه عن مَن سبقوهم، وبالتالي فيجب التمسُّك به دون الحاجة إلى فحصه وفهمه؟

فعلى سبيل المثال، يؤمن كثير من الناس بالضربات العشر التي ضرب الله بها المصريون والتي كان آخرها ضربة موت الابن البكر في كل بيت. كما يؤمن الكثيرون أيضًا بمعجزة شق البحر الأحمر،التي تلت الضربات العشر، والتي مكَّنت الشعب اليهودي الخارج من مصر، من الهرب من فرعون وجنوده.

هل تؤمن بهذه المعجزات؟ إن كان جوابك هو "نعم"، فهل تستطيع تفسير سبب هذه المعجزات ومعناها؟ قد تقول أن الهدف منها هو إظهار قوة الله وإنقاذ شعب إسرائيل من أيدي المصريين الذين أمعنوا في ظلمهم وتعذيبهم. إجابة جيدة! ولكن لندخل أكثر إلى العمق. هل فكرت يومًا في معنى الضربات العشر؟ لماذا اختار الله هذه الطرق تحديدًا لضرب المصريين (تحويل ماء النيل إلى دم، الضفادع، البعوض، الذبَّان، إهلاك الماشية، الدمامل، البَرَد، الجراد، الظلام، موت الأبكار)؟ بمعنى آخر، هل كان يمكن استبدال أي ضربة من هذه بشيء آخر (كان يمكن أن تهاجمهم الفئران مثلا بدلا من الضفادع، أو أن يضربهم الله بالشمس الحارقة التي كان بإمكانه أن يجعلها تدوم نهارًا وليلًا بدلًا من أن يجعل عليهم ظلامًا، الخ)؟ لماذا تبع خروج الشعب معجزة شق البحر؟ لماذا لم يُفنِ الله فرعون وجنوده عن طريق عاصفة رملية في الصحراء مثلًا؟ لماذا اختار أن يشق موسى البحر بعصاه وأن يعبر الشعب في البحر قبل خروجه إلى حرية كاملة؟

الهدف من هذه الأسئلة هي أن تدرك أيها القارئ العزيز أن الله لا يفعل أي شيء بلا معنى. وأن هذه المعجزات التي تؤمن بها هي حلقة ضمن سلسلة من الأحداث بدأت منذ سقوط الخليقة بخطية آدم. كما أن هذه المعجزات كانت رموز تُعدّ البشر لفهم خطة الله الكاملة للخلاص من نتائج الخطية. والآيات التالية توضِّح أهم هذه الرموز.

"وكلَّم الرب موسى وهارون في أرض مصر قائلًا: {هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة. كَلِّما كل جماعة إسرائيل قائلين: في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء، شاة للبيت. (...) تكون لكم شاة صحيحة ذكرًا ابن سنة (...). ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. (...) ويكون لكم الدم علامةعلى البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر.}" (خروج ١٢: ١-١٣)

كانت هذه هي بعض التعليمات التي أعطاها الله لموسى في الليلة التي أخرج فيها الشعب من أرض مصر وهي تعليمات تجعلنا نطرح المزيد من الأسئلة: لماذا كانت هناك مواصفات خاصة للذبيحة التي كان على الشعب اليهودي تقديمها لإنقاذ أبكارهم من الموت؟ لماذا كان عليهم أن يرشوا دم الذبيحة على عتبة البيت وعلى قائمتيه؟ الإجابة هي أن هذا الدم كان علامة لحفظ أهل البيت من موت الابن البكر. والمذهل هنا هو أن كل مَن كان داخل البيوت المغطاة بالدم لم يتعرَّض لموت ابنه البكر حتى لو كان ينتمي للمصريين الذين كانوا يستعبدون الشعب اليهودي! بمعنى آخر، كان الحمل يموت ليفدي كل مَن آمن واحتمى بدمه أيًا كان أصله العرقي ومعتقده القديم. وكان يُطلَق على هذا الذبيح "حمل الفصح". ومنذ هذا اليوم كان الشعب يحتفل في نفس الوقت من كل عام بعيد الفصح.

ومن مراسم الاحتفال بعيد الفصح، كان أحفاد مَن عاصروا الخروج من أرض مصر يردِّدون مزمور ١١٨. وهو يندرج تحت فئة من المزامير تُعرَف باسم "مزامير التهليل" التي تهدف إلى تسبيح الرب. وكان هذا المزمور ينتهي بالكلمات الآتية: "آه يارب خلِّص! آه يارب أنقذ! مبارك الآتي باسم الرب. باركناكم من بيت الرب. الرب هو الله وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة برُبُط إلى قرون المذبح. إلهي أنت فأحمدك، إلهي فأرفعك. احمدوا الرب لأنه صالح، لأن إلى الأبد رحمته." (مزمور ١١٨: ٢٥-٢٩)

وقد كان المفسرين اليهود يعتبرون هذا المزمور نبوة عن مجيء المسيًا المُنتظَر. وفي إطار هذا الفهم، نقرأ في كتابات البشيرين الأربعة الذين سجَّلوا حياة المسيح الآيات التالية، والتي تصف استقبال الجموع ليسوع عند دخوله أورشليم ليحتفل بعيد الفصح لآخر مرة أثناء حياته على الأرض:

"والجموع الذين تقدَّموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: {أوصَنَّا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب! أوصَنَّا في الأعالي!}" (متى ٢١: ٩)

"والذين تقدَّموا، والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: {أوصَنَّا! مبارك الآتي باسم الرب! مباركة مملكة أبينا دواد الآتية باسم الرب! أوصَنَّا في الأعالي!}" (مرقس ١١: ٩-١٠)

" ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون، ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم، لأجل جميع القوات التي عاينوها، قائلين: {مبارك الملك الآتي باسم الرب! سلام في السماء ومجد في الأعالي!}" (لوقا ١٩: ٣٧-٣٨)

"وفي الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آتٍ إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه، وكانوا يصرخون: {أوصنَّا! مبارك الآتي باسم الرب! ملك إسرائيل!}" (يوحنا ١٢: ١٣)

إن استقبال المسيح بهذه الكلمات، يعكس آيات مزمور ١١٨ ومعناها. فنجد صلاة "يارب خلِّص" تتكرر في أيات العهد الجديد باستخدام كلمة "أوصنَّا" التي تحمل نفس المعنى. وتعبير " قد أنار لنا" التي أتت في مزمور ١١٨، فتعني: "حضور الله الشخصي"؛ و"إعلان الله"؛ و"المسيًا". كما أن الجموع ردّدت عبارة "مبارك الآتي باسم الرب" تمامًا كما وردت في المزمور. إذًا فبكل بساطة كانت هذه الجموع ترى أن المسيح هو "الآتي باسم الرب" لكي يخلِّصهم وأنه هو الذي يمثل حضور الله الشخصي في وسطهم وأنه هو الذي يعلن عن الله، أي أنه المسيَا.

وقد يتساءل البعض عن السبب الذي جعل البشيرين الأربعة يكرِّرون رواية هذا الحدث باستخدام نفس الكلمات تقريبًا. وبالنظر بأكثر تدقيق في وصف كل منهم للحدث، سنجد الإجابة على هذا التساؤل. فكل واحد من كُتَّاب الإنجيل اختار، بقيادة الروح القدس، أن يؤكد على أحد صفات المسيح. فنجد البشير متى يعلن أن المسيح هو "ابن داود". والبشير مرقس يؤكد على أنه الملك الذي يحمي شعبه، وذلك عند ذكره قول الجموع "أبينا داود"، حيث أن كلمة أب هنا تحمل معنى "الحامي". والبشير لوقا تحدَّث عن المسيح الملك، صانع السلام؛ فعبارة "سلام في السماء ومجد في الأعالي" هي إشارة لنبوة إشعياء في الإصحاح التاسع من نبوته، عن المسيَا الذي سيكون "رئيس السلام". ثم يأتي البشير يوحنا فيذكر تفصيلة استقبال الجموع للمسيح بسعوف النخل. وقد كان هذا الاستقبال مخصَّص لملوك اليهود العائدين من الحروب منتصرين. ولهذا السبب ركَّز البشير يوحنا على وصف الجموع للمسيح على أنه "ملك إسرائيل".

وهذا الوصف النهائي هو الذي يشرح سبب إحباط الشعب عند موت المسيح على الصليب. فقد كانوا ينتظرون ملكًا أرضيًا يخلِّصهم من سيطرة الإمبراطورية الرومانية عليهم. أما المسيح فقد أتى ملكًا سماويًا، يخلِّص من الخطية ومن الموت. إلا أن اليهود الذين عاصروا المسيح لم يفهموا أن حمل الفصح الذي يحتفلون به في كل عام ما هو إلا رمز للكفارة النهائية بيسوع المسيح. وذلك على الرغم من أن يوحنا المعمدان (النبي يحيى) قال مرتين عند رؤيته للمسيح أنه "حمل الله". "وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلًا إليه، فقال: {هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم!}" (يوحنا ١: ٢٩)؛ "فنظر إلى يسوع ماشيًا فقال: {هوذا حمل الله!}" (يوحنا ١: ٣٦).

وبسبب عدم فهمهم لهذا الحق، قال لهم المسيح هذه الكلمات المُسجَّلة في بشارة لوقا ١٣: ٣٥: "هوذا بيتكم يُترَك لكم خرابًا! والحق أقول لكم: إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه: {مبارك الآتي باسم الرب}." لقد كرَّر المسيح كلماتهم بقوله عن نفسه "الآتي باسم الرب" وكأنه يقول للجموع، نحن متفقون على أني أتيت باسم الرب، لكنكم لم تفهموا السبب الحقيقي وراء مجيئي، وهذا الفهم الخاطئ لن يأتي إلا بالخراب!

وإلى اليوم هناك الكثيرون الذين يعلنون أن المسيح قد أتى باسم الرب بصفته مجرد نبي شأنه شأن كل الأنبياء الآخرين، إلا أنهم لا يريدون أن يقبلوا خلاصه الذي هو السبب الحقيقي وراء مجيئه. فاحذر من هذا الفهم الخاطئ!

*إذا كان هذا المقال قد أثار لديك بعض التساؤلات وتريد أن تعرف الإجابة عليها، يمكنك الضغط على هذا الرابط وطرح كل أسئلتك. 

Related

You need to login in order to comment