أعظم مولود من النساء - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
أعظم مولود من النساء
15 December 2018

أعظم مولود من النساء

يتشكك كثيرون في صحة الكتاب المقدس، وكثيرًا ما يردِّد هؤلاء المتشككون أن المسيحية هي من صنع بشر. والواقع هو أن الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد الذي يحتوي على نبوات تَحقًّق معظمها؛ ويؤكد كل ما يدور في العالم الآن أن ما تبقَّى من نبوات لم تتحقَّق بعد، هو في طريقه للحدوث بدون أدنى شك. ونحن هنا بصدد أن نلقي نظرة متفحصة على ثلاث نبوات تحققت منذ أكثر من ألفي سنة، وهي تتعلَّق بشخصية من أعظم شخصيات الكتاب المقدس، ألا وهو يوحنا المعمدان (النبي يحيى). وقد شهد عنه المسيح قائلًا: "الحق أقول لكم: {لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان}" (متى ١١: ١١).

جاءت النبوات الثلاثة الخاصة بيوحنا المعمدان على فم اثنين من أنبياء العهد القديم: النبي إشعياء، والنبي ملاخي. قال إشعياء النبي: "صوت صارخ في البرية: {أعدُّوا طريق الرب. قوِّموا في القفر سبيلًا لإلهنا. كل وطاء يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيمًا، والعراقيب سهلًا. فيُعلَن مجد الرب ويراه كل بشر جميعًا، لأن فم الرب تكلم}." (إشعياء ٤٠: ٣-٥)

ثم قال النبي ملاخي: "هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أماميويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرُّون به. هوذا يأتي، قال رب الجنود." (ملاخي٣: ١). ثم عاد فقال: "هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف. فيردُّ قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن." (ملاخي ٤: ٥-٦)

وهذه النبوات الثلاثة تحدثت عن يوحنا المعمدان قبل ميلاده بمئات السنين. وفي كلٍ منها كان الحديث عن يوحنا المعمدان كمبشر وكمُرسَل يشبه النبي إيليا، يهيئ بخدمته الطريق أمام إعلان مجد الرب الذي سوف يكون مرئيًا للبشر (إشعياء)، وأمام حضور مجد الرب إلى الهيكل (ملاخي).

ولكن ما الذي يؤكد أن هذه الكلمات كانت بالفعل تتحدث عن يوحنا المعمدان؟

عندما تكلَّم النبي إشعياء عن الشخص الذي سيعدّ الطريق لاستعلان مجد الرب، وصفه بعدة أمور: أنه "في البرية": أي أنه عليك أن تترك مكان الراحة وتذهب إليه لتجده. وهو "صوت" عليك أن تسمعه وتفهمه. فالنبي إشعياء لم يتحدَّث عن صورة هذا الشخص بل عن صوته، الأمر الذي يجعل الأهمية في القول وليس في القائل؛ أن مضمون رسالته محدَّد: "أعدُّوا طريق الرب".

وقبل ميلاد المسيح بعدة أشهر، وُلِد يوحنا المعمدان بطريقة معجزية حيث أنه وُلِد لزوجين، متقدمَين في الأيام، ولم يكن لهما ولد لأن الزوجة كانت عاقر. وفي يوم ولادته نطق أبيه، زكريا الكاهن، بكلمات تسبيح لله وبنبوة عن حياة ابنه. وضمن هذه النبوة قال: "وأنت أيها الصبي نبي العلي تُدعى، لأنك تتقدَّم أمام وجه الرب لتعدَّ طرقه" (لوقا ١: ٧٦).

ومع مرور الأيام، تأكَّد أن يوحنا هو ذلك الشخص الذي تنبأ عنه إشعياء. فقد كان يوحنا يعيش في البرية: "أما الصبي فكان ينمو ويتقوى بالروح، وكان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل." ((لوقا ١: ٨٠). وكان يعطي كل الأهمية للرسالة التي أتى لكي يعلنها وليس في إظهار ذاته: فحين تساءل الناس ما إذا كان هو المسيح، أجابهم بكل وضوح: "أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي مَن هو أقوى مني، الذي لستُ أهلًا أن أحل سيور حذائه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (لوقا ٣: ١٦)؛ "أنتم أنفسكم تشهدون أني قلتُ: لستُ المسيح بل مُرسَل أمامه" (يوحنا ٣: ٢٨). 

كما كان مضمون رسالته يدور حول إعداد طريق الرب. "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية، فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، كما هو مكتوب في سفر أقوال إشعياء النبي القائل: {صوت صارخ في البرية: أعدُّوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة. كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض، وتصير المعوجات مستقيمة، والشعاب طرقًا سهلة، ويبصر كل بشر خلاص الله}." (لوقا ٣: ٢-٦)

أما ملاخي فقد كان يتحدث للشعب بعد عودته من السبي وإعادة بناء الهيكل، عن شخص مُرسَل سيسبق حضور مجد الرب إلى الهيكل. ولكي نفهم هذه التفصيلة  الخاصة بالهيكل، علينا أن نذكر نبوة حجي الذي قارن الهيكل الجديد بهيكل سليمان، قائلًا: "... ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجدًا، قال رب الجنود. (...) مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود." (حجي ٢: ٧-٩).وهنا أكد النبي حجي أن الهيكل الجديد، بالرغم من كونه أقل عظمة من الأول من ناحية الشكل، إلا أنه سيشهد مجدًا أعظم من الذي شهده هيكل سليمان. وانتظر الشعب طويلًا أن يرى مجد الرب يتراءى بقوة في الهيكل الجديد. وبدأ اليأس يتملَّك قلوب الشعب بسبب مرور الوقت دون حدوث ما كانوا ينتظرونه.

وفي وقت اليأس هذا، أتت نبوة النبي ملاخي التي طمأنت قلوب الشعب. حيث أعطتهم علامة كان عليهم انتظار حدوثها قبل رؤيتهم للمجد في الهيكل. وهذه العلامة هي مجيء المُرسل الذي كان دوره هو تهيئة الطريق للرب. وعند ميلاد يوحنا المعمدان قال عنه كلٌ من البشيرين متى ومرقس أنه هو الذي كُتِب عنه: "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك." (متى ١١: ١٠) و(مرقس ١: ٢).

 ثم عاد النبي ملاخي وختم كتابه بالكلمات التي وصف فيها هذا المُرسَل بأنه "إيليا النبي". وبما إن إيليا لم يمت، بل صعد إلى السماء أمام أعين تلميذه أليشع، تردَّد في الأوساط اليهودية أن إيليا سيعود ثانية إلى الأرض، ثم ستأتي النهاية. ولهذا السبب حين بدأ يوحنا المعمدان خدمته، سألته الجموع بأي سلطان يفعل هذا. وظنوا أنه قد يكون المسيَّا أو إيليا النبي العائد إلى الأرض. لكن النبي يوحنا نفى هذا عن نفسه. فنقرأ هذا الحديث في بشارة القديس يوحنا ١: ١٩-٢١: "وهذه هي شهادة يوحنا، حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه: {مَن أنت؟}. فاعترف ولم ينكر، وأقر: {إني لست أنا المسيح}. فسألوه: {إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟}. فقال: {لستُ أنا}."

لكن الغريب في الأمر، أن المسيح شخصيًا قال عنه هذه الكلمات: "وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلًا: {لا تُعلِموا أحدًا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات}. وسأله تلاميذه قائلين: {فلماذا يقول الكتبة: إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا؟}. فأجاب يسوع وقال لهم: {إن إيليا يأتي أولًا ويرد كل شيء. ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألم منهم}. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (متى ١٧: ٩-١٣).

فكيف ينكر يوحنا أمرًا أكده المسيح؟ نجد الرد في بشارة القديس لوقا الذي تكلَّم عن يوحنا قائلًا: "ويردُّ كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعبًا مستعدًا" (لوقا ١: ١٦-١٧).

إن كلمات "بروح إيليا وقوته" هي التي تشرح هذا الموقف. لقد كان يوحنا ينفي كونه إيليا الذي عاد بالجسد. أما المسيح فكان يؤكد أنه مَن تنبأ عنه كل من إشعياء وملاخي، أي أنه الشخص الذي يعدّ الطريق قبل أن يُستعلن مجد الرب ويأتي المسيَّا. وهذا أمر لم ينكره يوحنا فحين سألوه "مَن أنت، لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟" رد عليهم بكلمات النبي إشعياء: "أنا صوت صارخ في البرية: قوِّموا طريق الرب، كما قال إشعياء النبي" (يوحنا ١: ٢٣).

أما عن الشبه بين يوحنا المعمدان وإيليا فهو واضح بلا أي شك. لقد كان النبي إيليا معروفًا بأنه هو الذي أرجع الشعب إلى عبادة الله بعد أن قادهم ملكهم بتأثير من زوجته إلى عبادة البعل. وبنفس هذه الروح والقوة كان يوحنا المعمدان يعيد الشعب إلى العبادة النقية لله. كما كان يتميَّز بنفس روح المواجهة التي كان يتحلَّى بها النبي إيليا. فنجده يقول لمَن جاءوا ليعتمدوا: "يا أولاد الأفاعي، مَن أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟ فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: {لنا إبراهيم أبًا}. لأني أقول لكم: {إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم}." (متى ٣: ٧-٩).

والسؤال الآن هو: هل بالفعل استُعلِن مجد الرب، وبشكلٍ خاص في الهيكل، بعد مجيء يوحنا المعمدان؟

بعد ميلاد يوحنا ببضعة أشهر، وُلِدالمسيح. وعند دخول الطفل يسوع إلى الهيكل مع أمه لتقدِّم عنه ذبيحة، استقبله شخصان. الأول رجل تقي يُدعى سمعان وحين رآه بارك الله وقال عن المسيح الطفل أنه: "نور إعلان للأمم، ومجدًا لشعبك إسرائيل" (لوقا ٢: ٣٢). أما عن الشخص الثاني الذي استقبل الطفل يسوع في الهيكل، فهي نبية تُدعى حنة. وما إن رأت الطفل يسوع بدأت تسبح الله وتتحدث عنه مع كل المنتظرين الفداء.

وأثناء خدمة يسوع، يذكر البشير يوحنا أنه قال الكلمات الآتية: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يوحنا ٢: ١٩). ثم يشرح البشير هذه الكلمات بقوله: "أما هو فكان يقول عن هيكل جسده." (يوحنا ٢: ٢١). بمعنى آخر كان يتكلم عن موته وقيامته في اليوم الثالث. وأخيرًا نقرأ ما حدث عندما أسلم المسيح الروح على الصليب في بشارة القديس لوقا: "وأظلمت الشمس، وانشق حجاب الهيكل من وسطه." (لوقا ٢٣: ٤٥) وكان هذا علامة على زوال الحاجز الذي كان يفصل بين الله والإنسان وبهذا يكون مجد الله قد استُعلِن بالكامل.

كما أن يوحنا شهد عن المسيح قائلًا: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم! هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي، رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي. وأنا لم أكن أعرفه. لكن ليظهرلإسرائيل لذلك جئتُ أعمِّد بالماء." (يوحنا ١: ٢٩-٣١).

لقد كان يوحنا أمينًا في القيام بما أرسله الله لأجله، فكان الصوت الذي شقَّ صمتًا دام لمدة ٤٠٠ سنة لم تأتِ بها أي نبوة. فهيأ بصوته الصارخ، الطريق لمجيء المسيح، الذي فيه استُعلِن مجد الرب، ثم انسحب في هدوء. فأمام ضياء حضور المسيح، شمس البرِّ، لا يمكن لأي نجم آخر أن يملأ المشهد.

هل تعرف الرب وتؤيد ما قام به النبي يحيى ليهيئ قلوب الناس لمجيئه ؟ إن كان كذلك، فهيء الطريق للآخرين ليعرفوا الرب عبر مشاركة هذه الصفحة معهم.

إن لا، تعرّف عليه، وأرسل لنا اسئلتك عنه، ونحن سنصلي من أجلك ومن أجل ظروفك.

 

Related

You need to login in order to comment