للبنوة أنواع - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
للبنوة أنواع
26 November 2018

للبنوة أنواع

نقرأ في بشارة القديس لوقا في الإصحاح الثالث هذا السرد لنَسَب المسيح: "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يُظَن ابن يوسف، بن هالي، بن متثات، بن لاوي، بن ملكي، بن ينا، بن يوسف" (لوقا ٣: ٢٣-٢٤). ويستمر كاتب البشارة في الصعود بسلسلة النَسَب حتى يصل إلى: "بن قينان، بن أرفكشاد، بن سام، بن نوح، بن لامك، بن متوشالح، بن أخنوخ، بن يارد، بن مهللئيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيت، بن آدم، ابن الله" (لوقا ٣: ٣٦-٣٨).

فمَن هو المُلقَّب بـ"ابن الله" في هذه الآية؟ هل هو المسيح أم آدم؟

عادة ما يستخدم الكتاب المقدس تعبير "ابن الله" للإشارة للمسيح. وفيما عدا ذلك لم يستخدم هذا اللقب لشخص آخر إلا في لوقا ٣: ٣٨ كما قرأنا، عندما قال "آدم ابن الله". لكن هل إعطاء آدم هذا اللقب يضعه في نفس مكانة المسيح؟ ويمكننا طرح السؤال بالعكس: هل يعني هذا أن المسيح هو مجرد ابن لآدم، أي أنه بشري عادي؟

لو دققنا النظر لوجدنا أن معنى مصطلح "ابن الله" يختلف في كل منهما. فلو كانت بنوة آدم مساوية لبنوة المسيح لله، لما تكلَّم الكتاب عن المسيح قائلًا أنه "ابن الله الوحيد" كما نقرأ في يوحنا ١: ١٨ "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيدالذي هو في حضن الآب هو خبَّر."؛ أو في رسالة يوحنا الأولى ٤: ٩ "بهذا أُظهرَت محبة الله فينا: أن الله أرسل ابنه الوحيدإلى العالم لكي نحيا به."

من هنا نتأكد أن هناك أنواع مختلفة من البنوة. فهناك "بنوة ذاتية" كما نقول الكلمة بنت الشفة؛ وهناك "بنوة بالتبنِّي" كما نقول أن البشر هم أبناء الله بالتبنِّي أو بالخلق؛ وهناك "بنوة روحية" مثلما يقال أن فلان هو الأب الروحي لفلان. وهكذا تصبح بنوة آدم لله هي بنوة بالتبنِّي، بالخلق؛ أما بنوة المسيح فهي بنوة ذاتية بمعنى أن المسيح هو الله.

لقد خلق الله الإنسان مكرَّمًا، على صورته، كما يقول الكتاب في تكوين ١: ٢٦-٣١: {وقال الله: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات على الأرض." فخلق الله الإنسان على صورته. على صوره الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم: "أثمروا واكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض". وقال الله: "إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرًا لكم يكون طعامًا. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعامًا". وكان كذلك. ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًا. وكان مساء وكان صباح يومًا سادسًا"}.

إن كان الله لم يستحِ أن يخلق الإنسان على صورته وكشبهه وأن يعطيه كل السلطان على باقي المخلوقات، فبكل تأكيد لن يستحي أن يتبناه معتبرًا إياه ابنًا له. لذلك نجد المسيح يعلِّم تلاميذه الصلاة قائلًا: "متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" (لوقا ١١: ٢).

لكن دعونا الآن نفكِّر في بنوة البشر لله. هل من حق جميع البشر أن يكونوا أبناء لله؟

للرد على هذا السؤال يجب أن نعود لآدم، أول ابن لله بالتبنِّي. فلو نظرنا لحياة آدم قبل السقوط في الخطية، سنجد أنه كان يعيش في الجنة التي صنعها الله خصيصًا له. وكانا يلتقيان ويتحدثان سويًا، مثلما يفعل أي أب يستمتع بعلاقة مليئة بالمحبة والدفء مع ابنه. ولكن ماذا حدث بعد السقوط؟ طُرِد آدم وزوجته من هذا المكان الخاص الذي كان يجري به اللقاء الحميمي مع الله. وبدأ جزء من نسلهما يبتعد عن الله، حتى وصل الأمر إلى توقُّف بعضهم عن عبادة لله. فنقرأ في تكوين ٣: ٢٦: "ولشيث أيضًا وُلدَ ابن فدعا اسمه أنوش. حينئذ ابتُدئَ أن يُدعى باسم الرب." نفهم من هذه الآية أن العلاقة بين الله وبين مَن خلقهم على صورته وتبنَّاهم، حدث بها شرخ عميق. وقد استوجَب هذا أن يأتي شخص يحمل الطبيعتين، الإلهية والبشرية، ليُصلح هذه العلاقة المكسورة. وبالطبع كان هذا الشخص هو المسيح "ابن الله الوحيد".

وبهذا يصبح الرد على السؤال الذي طرحناه بسيطًا. فإرادة الله هي تبنِّي كل نسل آدم. ولكن ليس الجميع يتمتع بهذا التبني. لأن الطريق إليها هو الإيمان الواعي بإبنه الوحيد، يسوع المسيح. وعندها فقط يتمتع المؤمن بواحدة من أروع البركات الروحية التي يمنحها الله للبشر، ألا وهي البنوة. لذلك نقرأ: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يوحنا ١: ١٢)؛ و"لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع" (الرسالة إلى غلاطية ٣: ٢٦). والحقيقة التي لا مساومة بشأنها هي أن هذا التبني لم يكن ليتم لولا الفداء الذي صنعه الله للبشر في شخص ابنه الحبيب يسوع، بحيث أصبح للمؤمنين به حق وراثة كل البركات والأمجاد الإلهية الأبدية كأبناء. "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولودًا من إمرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنِّي. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب. إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا. وإن كنت ابنًا فوارث لله بالمسيح" (الرسالة إلى غلاطية ٤ : ٤ - ٧).

وأن يكون المؤمنون في منزلة الأبناء، فهذه هي مشيئة الله الصالحة التي سُرَّ أن يدعو المؤمنين إليها في المسيح "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين" (الرسالة إلى رومية ٨ : ٢٩). وعليه، فلا يمكن أن يتمتع أي إنسان بالبنوة لله ما لم يكن "يشبه صورة المسيح" أي أن يقبل المسيح بالإيمان في قلبه فيتطهر من الخطية ويصبح مبررًا ومقبولًا أمام الله ببر المسيح نفسه. وما يدعو إلى زيادة الشكر لله من قبل المؤمنين هو أن المسيح لا يستحي بأن يدعوهم إخوة إذ قدسهم لنفسه في دائرة البنوة لله "لأن المقدِّس والمقدَّسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة، قائلًا أخبر باسمك إخوتي وفي وسط الكنيسة أسبحك" (الرسالة إلى العبرانيين ٢: ١١ و١٢).

كلنا كبشر أبناء، وهذا أمر لا مفر منه. لكن السؤال هو أبناء مَن نحن؟ يفرِّق الكتاب المقدس بين مَن يسميهم "أبناء النور" (يوحنا ١٢: ٣٦) الذين تم منحهم هذا اللقب من خلال إيمانهم بالمسيح ابن الله الوحيد، ومَن يطلق عليهم اسم "أبناء المعصية" (أفسس ٢: ٢) أو "أبناء الغضب" (أفسس ٢:٣). وعلى كلٍ منا أن يختار إلى أي نوع من الأبناء يريد أن ينتمي.

Related

You need to login in order to comment