هو الإبن - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
هو الإبن
25 November 2018

هو الإبن

يتساءل الكثيرون "كيف يكون لله ابن؟ ومن أين أتى هذا الإبن؟وهل يسوع المسيح هو هذا الإبن؟ وما الذي تعنيه عبارة "ابن الله"؟

وأمام هذه الأسئلة المحيِّرة يقرِّر الكثيرون تجاهلها تمامًا، وعدم الخوض فيها بدعوى أنها شديدة التعقيد، واعتبار مَن يؤمن بها إما ساذج أو مخرِّف. وهذا رد فعل طبيعي، حيث أنه دائمًا من الأسهل اتباع طُرُقًا تُقدِّم إلهًا يمكن أن تستوعبه عقولنا المحدودة وأن تفهم جميع أبعاده.

إن كنتَ قد اتخذت يومًا هذا القرار طلبًا لـ"راحة البال"، فاعلم أن هناك أسئلة أخرى ستظل تتبادرإلى ذهنك وستكون مُطالبًا بالإجابة عليها أيضًا. مثل: "هل يمكن لعقولنا المحدودة أن تستوعب الإله الخالق العظيم الذي صنع كل ما نراه بعيوننا مما لا يُرى؟ وإن كان الإله الذي نتبعه محدودًا لدرجة أنه يمكننا استيعاب كل ما يختص بشخصه، ألا يجعله هذا إلهًا هزيلًا وضعيفًا بل ومحدودًا بحدود البشر؟ وهذه المحدودية، ألا تجعل منه إلهًا غير قادر على حمايتنا كبشر وعلى تسديد احتياجاتنا؟"

من هنا نرى أن تجاهل الأمر ليس هو الحل الأمثل. بل قد يكون هناك رد فعل آخر هو الذي يجب علينا اتخاذه، وهو أن نتَّضع أمام عظمة الخالق وأن نعترف أن عقولنا المحدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستوعبه بالكامل. ولكن هل يعني هذا أنه لا يمكننا فهم أي شيء عن الله؟ وأنه لابد أن يبقى مجهولًا وغامضًا؟ 

الإجابة هي لا. إن الله في محبته ورغبته في أن يكون الإنسان، الذي خلقه على صورته وكشبهه، في علاقة معه، قرر أن يعلن له أسراره. وقام بذلك من خلال كلمته المكتوبه عن طريق أنبياءه على مرِّ العصور، ثم عن طريق الكلمة المتجسد، يسوع المسيح. هذا ما تؤكده لنا الرسالة إلى العبرانيين "الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا، بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه، الذي جعله وارثًا لكل شيء الذي به أيضًا عمل العالمين، الذي، وهو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، بعدما صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي، صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم" (عبرانيين ١: ١-٤).

وماذا يعني هذا؟ يعني بكل تأكيد أن المسيح هو "ابن الله" وأن مجيئه إلى العالم هو أعظم طريقة كلمنا الله بها. ونرى هذا جليًا في عدة مواضع في الكتاب المقدس، حيث يقترن فيها إعلان أن المسيح هو "ابن الله" بضرورة السماع له، والإيمان به، والخضوع له. كما نرى أيضًا أشخاصًا أعلنوا أنه "ابن الله" عند رؤيتهم لعلامات سماوية لا تقبل الشك.

فنقرأ في بشارة متى ٣: ١٧أنه بعد معمودية يسوع وصعوده من الماء: "وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى [أي النبي يحيى] روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه. وصوت من السماوات قائلًا هذا هو ابني الحبيبالذي به سُررت." ثم نقرأ في متى ١٧: ٥ بعد أن تجلَّى يسوع وتغيرت هيئته قدام ثلاثة من تلاميذه فوق الجبل: "وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلًا هذا هو ابني الحبيبالذي به سُررت. له اسمعوا." وكثيرًا ما يتردد السؤال أين قال المسيح أنه ابن الله؟ والواقع يستطيع أن يصف كل واحد نفسه بما يريد، فأستطيع أن أقول أنا ابن رئيس الجمهورية إن أردت ولكن الأهم هل سيعترف بي رئيس الجمهورية بأنني ابنه؟ هنا نرى الله نفسه وفي حضور الأنبياء والرسل، وهم شهدوا أنه أعلن عن أن المسيح هو ابنه.

ولكن هذا لا يعني أن المسيح تبرأ من قول الله بأنه ابنه، فنجد في بشارة يوحنا ٩: ٣٥-٣٨، المسيح يسأل الشخص المولود أعمى والذي خلق له عينان: "أتؤمن بابن الله؟" أجاب ذاك وقال: "من هو يا سيد لأومن به؟" فقال له يسوع: "قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو!". فقال: أؤمن يا سيد! "وسجد له."

وفي نفس البشارة، بشارة يوحنا والإصحاح العاشر نقرأ ما قاله المسيح لليهود: "فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنتُ لا أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنتُ أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال، لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيَّ وأنا فيه." (يوحنا ١٠: ٣٦-٣٨)

وإذا قمنا بجولة سريعة في البشارات الأربع سنجد تلاميذ المسيح يشهدون له أنه "ابن الله". ففي متى ١٦: ١٦ نقرأ: "فأجاب سمعان بطرس وقال: "أنت هو المسيح ابن الله الحي!". ويبدأ التلميذ مرقس انجيله بهذه الآية: "بدء انجيليسوع المسيح ابن الله" (مرقس ١: ١). كما نجد أيضًا يوحنا المعمدان (المعروف بالنبي يحيى) يشهد في بشارة يوحنا: "وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله." (يوحنا ١: ٣٤). وفي نفس هذا الإصحاح من بشارة يوحنا، نجد التلميذ نثنائيل يشهد بعد أن أخبره المسيح بأمور عن حياته لا يعرفها أحد: "يا معلم، أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!"(يوحنا ١: ٤٩).

وقد لا نستغرب أن يشهد بهذا تلاميذ المسيح الذين اقتنعوا بتعليمه وتبعوه. ولكن ماذا عن الجنود الرومان الذين صلبوه والذين لم يكونوا يكترثوا لأمره بالمرَّة. فالمسيح بالنسبة لهم لم يكن أكثر من مجرد مجرم من شعب آخر يستحق العقاب. فماذا قال عنه قائد المئة والحراس الذين معه؟ "وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع، فلما رأوا الزلزلة وما كان، خافوا جدًا وقالوا: "حقًا كان هذا ابن الله!" (متى ٢٧: ٥٤).

وماذا قال الملاك عندما بشر العذراء مريم بولادته؟ "الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله." (لوقا ١: ٣٥)

أما عن أغرب شهادة للمسيح بأنه ابن الله، فقد جاءت على لسان الأرواح النجسة والشياطين التي كانت تخاف منه وتعرف سلطانه عليها وتخضع لأوامره. فنقرأ في مرقس ٣: ١١: "والأرواح النجسة حينما نظرته خرَّت له وصرخت قائلة: "إنك أنت ابن الله!" وفي مرقس ٥: ٧ نقرأ: "وصرخ بصوت عظيم وقال: "ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي! استحلفك بالله أن لا تعذبني!"

لم تكن هذه إلا بعض الآيات التي تكلمت عن يسوع المسيح ابن الله.

وهنا نتساءل: لماذا اختار الله تعبير الآب والإبن للكشف عن العلاقة التي تجمع بينه وبين المسيح، كلمته الأزلي الذي هو واحد معه؟ لأنه كان يريد أن يوضح طبيعة هذه العلاقة وأن يعلن لنا نحن البشر، حسب مفهومنا البشري، عن الأصالة والودية والوحدانية وعن عمق رباط المحبة بين بعضهم البعض.

ولماذا اختار الله أن يرسل كلمته الأزلي الذي هو واحد معه إلى العالم؟ لأنه، وبناءً على كلمته، كان يريد أن يعلن غلاوة البشر على قلبه وكم هو مهتم بهم. ولأنه كان يريد أن يعلن أن الأمر لا يتعلق بإله يتحكم بعبيده عن طريق شرائع ووصايا يجب عليهم السماع لها وطاعتها، بل هو أغنى وأثمن بكثير من ذلك. فمنذ القديم كانت إرادة الله هي أن يتكلم مع الإنسان ويقترب منه ويؤسس علاقة شخصية وودية مع كل فرد على حدى. وقد تحقق هذا بمجيء المسيح متجسدًا. فمن خلال المسيح رأينا صفات الله بشكل مباشر وعملي: متواضع، ودود، رحوم، شافي، محب، فادي...

هل تستغرب أن يتنازل الإله ويأتي بنفسه ليعيش وسط خليقته ويأخذ شكلها؟ من حقك أن تشعر بهذا. لكن فكِّر. هل تقبل فكرة أن يقوم أحد الملوك الأرضيين بالتخفِّي لتفقد رعاياه ولينظر أحوالهم عن قرب؟ في أغلب الظن نعم، بل وقد تصفه بأنه ملك عظيم بيَّن عظمته بتواضعه. فلماذا إذًا  لا تقبل أن يقوم الله، ملك الملوك ورب الأرباب، أبو الرحمة، بنفس الشيء؟ وهل هناك أعظم من الله؟ وما العيب في أن يأخذ الله شكل المخلوق الذي خلقه على صورته وكشبهه والذي اعتبره تاج كل الخليقة؟

أيها القارئ الكريم، إن كنتَ قد قررتَ في الماضي تجنب التفكير في الإبن وفيما تعنيه هذه الكلمة، نشجعك على إعادة التفكير. لأن الإيمان بالإبن أو عدم الإيمان به هو الذي يحدِّد المصير الأبدي لكلٍ منا. فكلمة الله تقول: "كل مَن ينكر الإبن ليس له الآب أيضًا، ومَن يعترف بالإبن فله الآب أيضًا." (رسالة يوحنا الأولى ٢: ٢٣).

Related

You need to login in order to comment