من الرابع؟ - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
من الرابع؟
07 November 2018

من الرابع؟

هل سمعت بالقصة التاريخية التي حدثت في مملكة بابل القديمة في زمن حكم الملك نبوخذنصَّر؟ وهل تعرف أهميتها لحاضرك ومستقبلك؟

كان هذا الملك قد هاجم أورشليم وانتصر على ملكها وسبى أهلها. ثم أمر بإحضار فتية من الشرفاء ومن نسل الملك للخدمة في قصره الخاص. ومن أشهر هؤلاء المسبيين يذكر لنا الكتاب المقدس ثلاثة فتية أُطلِقَ عليهم في بابل أسماء "شدرخ وميشخ وعبد نغو". و ذات يوم أمر نبوخذنصَّر بصنع تمثال من ذهب وأمر أن يسجد جميع رعاياه لهذا التمثال، كما أمر برميّ مَن يرفض السجود في آتون نارٍ متَّقدة.

ويمكننا توقُّع ما حدث: رَفَض الفتية الثلاثة السجود لغير الله، فغضب الملك وأمر بتحمية الآتون سبعة أضعاف وإلقائهم به. وقد كان من المتوقَّع أن يُقتل المعارضين الثلاثة فور إلقائهم في النار، حيث أن لهيب النار قَتَل مَن أوثقوهم وألقوهم. إلا أن هذا لم يحدث، بل صار أمرًا عجيبًا جعل الملك يسأل مشيريه: "ألم نُلقِّ ثلاثة رجال موثقين في وسط النار؟"

فكانت الإجابة: "صحيحٌ أيها الملك".

فتعجَّب نبوخذنصَّر قائلًا: "ها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشُّون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة".

ثم نادى الملك على الفتية الثلاثة فخرجوا من الآتون. وقد شهد لهم كل الحاضرين بأنه "لم تكن للنار قوة على أجسادهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وثيابهم لم تتغير ورائحة النار لم تأتِ عليهم". (يمكنك قراءة القصة كاملة في دانيال ٣)

قصة شيقة ومحيِّرة، أليس كذلك؟ ولكن أكثر ما يثير التساؤل فيها هو هذا الشخص الرابع الذي ظهر في وسط النار، والذي خلَّص الفتية الثلاثة، والذي تم إعطاؤه لقب "ابن الآلهة"! والأغرب من ذلك هو أن هؤلاء الفتية الثلاثة الذين كانوا على استعداد للموت عوضاً عن أن يسجدوا لأي شيء آخر سوى الله، لم يعترضوا على هذا اللقب! فلم نجدهم مثلًا يثورون ضد الملك، ولم يقولوا له مستنكرين: "الله ليس له ابن! كيف تجرؤ أن تقول هذا الأمر المشين!". لكن ما حدث هو أنهم استقبلوا هذا اللقب بكل بساطة. لأنه بحسب إيمانهم، "ابن الله" هو "الله نفسه"!

ولهذا السبب نفسه، وبعد سنين طويلة على هذا الحدث، أراد زعماء الدين اليهودي، الذين توارثوا على مدى الأجيال نفس فكر الفتية الثلاثة، أرادوا رجم المسيح حين قال بحصر اللفظ، وفي مواضعٍ كثيرة أنه "ابن الله". فرجال الدين اليهود كانوا يؤمنون أن تعبير "ابن الله" يعني "الله"! ونرى هذا جليًّا في يوحنا١٠: ٣٠-٣٣ حين قال يسوع: "أنا والآب واحد". فتناول اليهود أيضًا حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع "أعمالًا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني؟"

فأجابوه قائلين: "لا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديفٍ، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا."

ولكن من أين أتى هذا الفهم؟ لكي نفهم هذا المبدأ علينا البحث في معنى كلمة "ابن".

فهناك أنواع كثيرة من البنوة، نذكر منها ما يلي:

أولًا: البنوة الجسدية، وهي نتاج الولادة من الزواج البشري الطبيعي.

ثانيًا: البنوة بالتبنِّي، وهي أن يقوم شخص بتبنِّي شخص آخر، ليس ولده، ليكون كإبن له.

ثالثًا: البنوة الإنتسابية، كأن نقول هذا ابن البلد، أو ابن العز، أو ابن عشرين سنة.

رابعًا:البنوة الإعتبارية أو الذاتية، وهي بنوة التوالد الإعتباري، أي كما يولد النور من الشمس ولا ينفصل عنها، وكما يولد النهر من البحيرة ولاينفصل عنها، وكما تولد الكلمة من الفكر أو من العقل وتبقى جزءًا منه لا تنفصل عنه على الرغم من خروجها منه.

وبالنظر إلى هذه المعاني نفهم أن بنوة المسيح لله الآب ليست من الأنواع الثلاثة الأولى، بل هى مثل النوع الرابع! لذلك فقد سُمي المسيح ابن الله، وأيضًا كلمة الله. لأنه التعبير الملموس لفكر الله المُعلَن للبشر. فالمسيح إذًا هو ابن الله الأزلي لأنه كلمة الله وهذه صفة ذاتية أزلية في الله لأن الله ناطق بكلمته، الذي هو المسيح.

ومعنى كلمة ذاتية، أن المسيح ليس شخصًا منفصلًا عن الله، كما هو الحال في البنوة الإنتسابية مثلما نقول الكلمة بنت الشفة؛ لكنه كلمة الله العاقل أو عقل الله الناطق. وكلمة الشخص هي التي تعبِّر عما بعقله. وكثيرًا ما نعبِّر عن أفكارنا بكلمات مكتوبة فنقول أننا جسّدناها. لذا يتحدث الكتاب المقدس عن المسيح فيعطيه أقرب التلاميذ له وأكثرهم معرفة به وبوالدته، يوحنا الحبيب، يعطيه لقب "الله الكلمة" (يوحنا١:١) و"كلمة الله" (رؤيا يوحنا ١٩: ١٣).

أما البنوة الأزلية فهي تعني أنه موجود كابن الله منذ الأزل. وتعبير" ابن الله" يُستخدم للتعبير عن علاقة المحبة المتبادلة بين الله الآب والله الإبن منذ الأزل. ويلخص الإنجيل كل هذه المعاني في تلك العبارات التي جاءت في إنجيل يوحنا: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. (...) والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيدٍ من الآب، مملوءًا نعمةً وحقًا. (...) الله لم يره أحد قط. الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" (يوحنا ١: ١ و١٤ و١٨).

لقد خلقنا الله بإرادة حرَّة. وبهذا يكون قد أعطانا الحق حتى في قبوله هو شخصيًا. ولك، أيها القارئ العزيز، أن تقبل أو أن ترفض حقيقة المسيح، كلمة الله، أي الله الكلمة. لكن اعلم أنك حتى إن رفضته، سيظل هو يقرع على بابك. إن مشيئته لك ولكل خليقته واضحة ومعلنة في كلمته، فهو "يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يُقبلون" (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٢: ٤).

Related

You need to login in order to comment