الإبن الأصيل - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الإبن الأصيل
13 September 2018

الإبن الأصيل

يتكلم المسيح عن نفسه معطياً لقباً مشهوراً لكل من عنده بعض المعرفة عن كلمة الله وهو لقب "ابن الإنسان". والمسيح ابن أصيل صالح لا ينكر أصله، فهو لا ينكر ألوهيته ولا ينكر بشريته، ولكن ما معنى هذا اللقب، "ابن الإنسان"؟ وكيف استخدمه المسيح؟

ورد هذا اللقب ما يزيد عن السبعين مرة في الأناجيل وسننظر إلى بعض الآيات هنا ونرى إن استطعنا أن نستنتج معناها وكيفية استخدامها. فلنبدأ بالنظر إلى الآيات التي ذكرها مرقس وهو انجيل كُتب لتلمذة المسيحيين الأوائل وتعريفهم كيف يمكنهم كبشر أن يحيوا كما عاش المسيح كبشري، ولكنه أيضاً يذكّرنا أن المسيح كسر حدود الإنسان وفاق البشرية. كتب مرقس كما قاده الروح القدس:

مرقس ٢: ١٠: ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا.

مرقس ٢: ٢٨: إذاً ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً.

مرقس ٨: ٣١: وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم.

مرقس ٨: ٣٨: لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ، فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين.

مرقس ٩:٩: وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم أن لا يحدثوا أحداً بما أبصروا إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات.

مرقس ٩: ١٢: فأجاب: أن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيراً ويرذل.

مرقس ٩: ٣١: لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم أن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث.

مرقس ١٠: ٣٣: ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم.

مرقس ١٠: ٤٥: لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأتِ ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.

مرقس ١٣: ٢٦: وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد.

مرقس ١٤: ٢١: إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد!

مرقس ١٤: ٤١: ثم جاء ثالثة وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! يكفي! قد أتت الساعة! هوذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطأة.

مرقس ١٤: ٦٢: أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء.

تُظهر لنا هذه الآيات ثلاثة أمور هامة عن المسيح. نرى من الآيتين الأول أن المسيح، ومع أنه استخدم لقب ابن الإنسان، ولم ينكر بشريته أو يخجل منها، إلا أن صفاته تفوق ما هو معتاد عليه في البشر. فمَن مِن البشر له سلطان أن يغفر خطايا البشر؟ الله وحده هو الغفور، فكيف يكون السلطان على الغفران ملك للمسيح؟

ومَن مِن البشر هو رب يوم العبادة؟ فالعبادة عند اليهود، كما أمرتهم شريعة موسى، هي لله وحده في يوم السبت، الذي كان يوماً مخصصاً للرب، إذ قال لهم، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. واحفظ يوم الرب وقدسه، فكيف يكون المسيح هو رب السبت؟

 لا نستغرب إذاً ردة فعل اليهود الذين سمعوا هذه الكلمات واعتبروها كفراً، لأن المسيح أمامهم إنسان، ولكنه يتكلم وكأنه رب ويؤيد ما يقوله بالمعجزات. إذاً لا بد أنه كافر وأن معجزاته هي أعمال الشيطان. هذا كان استنتاج من رفض كلماته هنا. 

ونرى أيضاً في الآيات الأخرى إعلانين، الأول عما سيحدث له، من أنه سيدان، ويقبض عليه، ويقتل صلباً، ويموت ويقوم في اليوم الثالث، وهذه كلها كانت مرتبطة بنبوات تقول بأنه سيأتي ليموت كأضحية وكفدية للعالم.

 أما الإعلان الثاني، فهو مرتبط بشيء كان يعرفه سامعيه جيداً، وكوننا بعيدين عن وقت المسيح، قد يفوتنا. فالنعُد إلى ما كتب النبي دانيال يتنبأ عن مجيء المسيح :

"كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه.

 فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة،

 سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض". (دانيال ٧: ١٣- ١٤). 

ولهذا السبب نقرأ في مرقس ١٤ بعد أن شهد شهود الزور ضد المسيح عند محاكمته في محكمة الشريعة، ولم تتوافق شهاداتهم:

قام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع: "أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟"

 أما هو فكان ساكتاً ولم يجب بشيء. 

فسأله رئيس الكهنة أيضاً: أأنت المسيح ابن المبارك؟

فقال يسوع: انا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء.

فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟  قد سمعتم التجاديف (أي الكفر)! ما رأيكم؟

 فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت.

 فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ!

وكان الخدام يلطمونه.

لما كل هذا السوء في المعاملة؟ لمعرفتهم بنبوة دانيال ومن هو ابن الإنسان المذكور فيه. كما قال رئيس الكهنة، "ابن المبارك". 

إذاً، لقب ابن الإنسان له على الأقل ثلاثة معاني كما يذكره مرقس، فهو يعني القدير صاحب السلطان المطلق، ويعني النبي الذي سيأتي ويتألم عن البشرية كبشري ويموت دافعاً ثمن خطاياهم، ثم يقوم كدليل على أنه ليس مجرد بشري كفر وحكمت عليه المحكمة الدينية بالموت، فمات وانتهى أمره، بل قام ليُظهر أصله وقوته على الموت.

 ويعني لقب "ابن الإنسان" أيضاً أنه صاحب السلطان الأبدي الذي لا يزول بل ستتعبد له كل الشعوب شاءت أم أبت كما تعد النبوة عنه، "الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك، رفعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (الرسالة إلى أهل فيليبي ٢: ٦- ١١).

فيا عزيزي المؤمن، هذا معنى لقب "ابن الإنسان"، لا يخفى عليك عندما يواجهك أحد به ولا ترتبك، فهو لقب جليل يدل على الألوهية والنبوة والإنسانية الكاملة، والتي تصلح أن تكون أضحية مقبولة عن كل البشرية، ويدل أيصاً على السلطان الأبدي في آن واحد. وهو ما يساعدنا على فهم المسيح الإنسان، على طبيعته الحقيقية. ونجد فيه العزاء، في الخلاص الذي قدمه لنا، وفي صبره وتحمله من أجل الهدف. اليوم ربما يطلب منك أن تضع نفسك من أجله وتتواضع كما هو وضع نفسه من أجلك، وقد يهينك الآخرين بسببه كما أهانوه. أصبر، لكي ترى فيه نصرة لا مثيل لها.

ويا عزيزي القارئ غير المؤمن بالمسيح رباً ومخلصاً، أنت على مفترق طرق. يمكنك أن تسد أذنيك وتمزق ثيابك من الحنق من كُفر المسيح وأقواله كما فعل رئيس الكهنة الذي كان يعرف جيداً معنى ما يقوله المسيح، أو يمكنك أن تضع نفسك وتتواضع وتواجه حقيقة شخص المسيح. الخيار لك!

وأختم في آخر كتاب موحى به من الله، ذُكر فيه "ابن الإنسان". تقول الكلمة:

فالتفت لأنظر الصوت الذي تكلم معي.

 ولما التفت رأيت سبع مناير من ذهب.

  وفي وسط السبع المناير شبه ابن إنسان،

 متسربلا بثوب إلى الرجلين، ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقة من ذهب.

وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج،

 وعيناه كلهيب نار.

 ورجلاه شبه النحاس النقي، كأنهما محميتان في آتون. 

وصوته كصوت مياه كثيرة.

ومعه في يده اليمنى سبعة كواكب،

 وسيف ماض ذو حدين يخرج من فمه،

 ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها.

فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت،

 فوضع يده اليمنى عليّ قائلا لي: لا تخف! أنا هو الأول والآخر، والحي. وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين! (رؤيا يوحنا اللاهوتي ١)

Related

You need to login in order to comment