الفاتح والخاتم - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الفاتح والخاتم
31 August 2018

الفاتح والخاتم

عندما نفكّر في أي شيء نحاول القيام به في الحياة، عادة نفكّر أين سنبدأ وأحياناً نفكّر كيف ستنتهي الأمور وما هو الهدف من القيام بهذا الشيء. ولكن هل سألت نفسك مرة ماذا قال الرب عن البداية والنهاية بالنسبة لكلمته؟ 

سأل الناس المسيح من أنت في مواقف عديدة، وأجابهم بأمثلة وتشبيهات له تساعدهم على الفهم، وإن كان بصعوبة، هذا الإنسان الذي يخرق ما يحد البشرية. فهو كان يعرف أفكارهم، ويشفي أمراضهم، ويخلق لهم أعضاء ماتت في أجسادهم، ويقول لهم ما يدور في خلدهم وما يخفون في قلوبهم، ويعرفهم ويعرف تاريخهم أكثر من معرفتهم لأنفسهم، ويقيم موتاهم، ويشبع أجواعهم بأنواعها، الجسدية والنفسية والروحية، ويغفر لهم ذنوبهم، ويعلمهم مع كل ذلك تعاليم تفوق تعاليم البشر، فهل نستغرب توقفهم وسؤالهم له: من أنت؟

ولكن وبعد قيامة المسيح وصعوده إلى مكانه الأصلي، إلى عرشه، أجاب المسيح على السؤال بشكل يفوق كل وصف بشري وأعلن من السماء كلمات لا يمكن للعقل البشري تحمّلها لما لها من تداعيات تفوق محدودية الفكر الترابي، لأنها جل جلالها وعلا عن كل ما هو دون الألوهية. فماذا قال المسيح من سماه؟

أعلن المسيح من سماه: أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية.

كيف يكون المسيح هو البداية والنهاية؟ لكي نجيب على هذا السؤال يجب أن نرجع إلى الوراء ونرى أولاً كيف يكون المسيح الألف، أي البداية، ثم نرى كيف يكون الياء، أي النهاية.

المسيح الألف

يخبرنا الكتاب:

 في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.

 هذا كان في البدء عند الله.

 كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.

 فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس.

 والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه.

والكلمة صار جسداً وحل بيننا.

 ورأينا مجده.

 مجداً كما لوحيدٍ من الآب.

 مملوءًا نعمة وحقاً.

وهذا معناه أن الله خلق كل شيء بكلمته، وعندما كان يقول لشيء كُن، كان هذا الشيء يأتي إلى الوجود. فكلمته هي مصدر الطاقة، من نور وحياة وقوة. وعندما يقول الكتاب أن الله خلق العالم بكلمته، فمعنى ذلك أن وجود العالم نفسه يعتمد من بدايته إلى نهايته على كلمته.

وهذا الكلمة الخالقة تجسد من مريم العذراء وصار بين الناس الذين احتاروا به، ولكن هل كانت هذه أول مرة يسير فيها بين الناس؟ لقد احتار اللاهوتيون وعلماء الدين في ظهورات في العهد القديم بشكل بشر لشخص يعرف الغيب ويسجد له الأنبياء ويتحاورون ويتصارعون معه، من هو هذا الشخص الذي يتعبد له الأنبياء كأبونا إبراهيم الذي قال وهو ساجد أمامه، "شرعت أكلم المولى وأنا تراب؟" (اقرأ التكوين ١٨).

عندما صار المسيح بين البشر، نراه يصرح بكل وضوح لجمهور رفض كلامه واستغفر الله منه إذ أعلن، "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي، فرأي وفرح...الحق الحق أقول لكم، قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (إقرأ الحوار كامل في يوحنا ٨).

كان رد الشعب الطبيعي أن ينكروا عليه ذلك ويكفرونه لهذا القول ويستهزؤون به بكلمات مثل، "ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم؟"

ولكن المسيح لم يتراجع عن إعلانه عن شخصه وهويته، بل تمسك بهما وافتخر بهما قائلاً، "أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم" (يوحنا ٨). ماذا عنى المسيح بذلك وبأنه ليس أرضي؟ هل كان يعني أنه من المريخ؟ 

نجد المسيح يقول بوضوح ويعلن أنه من السماء وأن الله أبوه وأنه وهو على الأرض يتكلم ويشفي، وهو في نفس الوقت في السماء. هل نستغرب قول سامعيه أنه كافر وأن به شيطان وأنه يهذي. وقولهم لبعضهم، لماذا تسمعون له؟ (إقرأ يوحنا ٢٠).

المسيح الياء

ولكن هذا لم يثنِ المسيح عن إعلانه عن نفسه وعن هويته، بل وأعلن أنه جاء ليتمم الشريعة الإلهية التي لم يستطع الإنسان ولن يستطيع الإنسان أن يتممها. وعلى الصليب نجده يأخذ النفَس الأخير ويقول: قد أكمل.

 لقد دفع الثمن كاملاً عن كل واحد منا، فأصبح الذي هو بلا أي عيب الأضحية المقبولة فداءً عن كل فرد من البشرية، أي يمكن القول ان الهدف من كل الأنبياء الذين سبقوه ومن كل ما أشاروا إليه هو إعلان المسيح وعمله، فهو البداية وهو النهاية لهؤلاء الأنبياء، وقد أكمل كل المتطلبات وختم عليها مصدقاً انها قد أكملت.

وبهذا أصبح المسيح الخاتم لكل النبوات والأنبياء، الياء، النهاية. ولهذا نرى شعب السماء يُسبح ويُعلن حق المسيح الذي اشترى كل البشر بدمه أن يدينهم بفتحه الكتاب المختوم الذي يحتوي على أحداث النهاية، فنجدهم يعلنون:

مستحقً أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه

لأنك ذُبحت واشتريتنا بدمِك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة (رؤيا ٥).

الفاتح والخاتم

ويأتي اعلان المسيح عن نفسه من السماء، أنه الألف والياء، أربعة مرات:

عند بدء الرسالة: ومن يسوع المسيح الشاهد الأمين، البكر من الأموات، ورئيس ملوك الأرض، الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه، له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء.(الرؤيا ١).

عند بدء الرؤية: كنت في الروح في يوم الرب، وسمعت ورائي صوتا عظيماُ كصوت بوق قائلاً: أنا هو الألف والياء. الأول والآخر، والذي تراه، أكتب في كتاب...فالتفت لأنظر الصوت الذي تكلم معي، ولما التفت رأيت سبع منائر من ذهب، وفي وسط السبع المنائر شبه ابن إنسان، متسربلاً بثوب إلى الرجلين ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقة من ذهب. وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج، وعيناه كلهيب نار، ورجلاه شبه النحاس النقي كأنهما محميتان في آتون، وصوته كصوت مياهٍ كثيرة.ومعه في يده اليمنى سبعة كواكب وسيف ماض ذو حدين يخرج من فمه، ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها. فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى عليّ قائلا لي: لا تخف، أنا هو الأول والآخر والحي، وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين، ولي مفاتيح الهاوية والموت. فاكتب ما رأيت، وما هو كائن، وما هو عتيد أن يكون بعد هذا (الرؤيا ١).

عند العرش وتجديد الكون: وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد. لأن الأمور الأولى قد مضت. وقال الجالس على العرش: ها أنا اصنع كل شيء جديداً. وقال لي: أكتب، فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة.

ثم قال لي: قد تم! أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً. من يغلب يرث كل شيء، وأكون له إلهاً وهو يكون لي ابناً. وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الاوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت، الذي هو الموت الثاني (الرؤيا ٢١).

عند الوعد بمجيئه: وها أنا آتي سريعاً وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله. أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر... أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم... أنا ذرية داوود، كوكب الصبح المنير (الرؤيا ٢٢).

إن إعلان المسيح أنه الفاتح والخاتم لكلمة الله واضح ومكرر أربعة مرات، لماذا؟ ربما للتثبيت كشهادة، ولكن الرسالة كانت للكنائس ولنا فيها درس، لأننا قد ننسى كمؤمنين وكبشر أن المسيح، كلمة الله، هو الهدف منذ بدء الوحي وإلى ختمه له. وهو يريد أيضاً أن يكون البداية والنهاية بالنسبة لنا في حياتنا، فالكثير يبدأ حياته مع المسيح، ثم يتبع هذا وذاك ويتشتت في مسيرة حياته التي من المفروض أن تكون في المسيح. ويجب دائماً، كما يُعلِّم الكتاب أن تبقى عيون المؤمن على المسيح لكي يعكس المسيح في حياته ويشابهه يوماً فيوم. فيا من أخذت نعمة المسيح وذقت حلاوتها، لا تدع العالم أن يسلب منك بهجة خلاصك، بل ركِّز نظرك على المسيح لأنه وحده القادر أن يشبع عوزك ويفهم ويشعر بما تمر به ويمسح دموعك بطريقته الفريدة. فهو الألف وهو الياء في النبوة وفي الخلاص وفي الوجود وفي حياتنا. 

 

 

Related

You need to login in order to comment