ضرورة الأضحية - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
ضرورة الأضحية
24 August 2018

ضرورة الأضحية

كل شيء يتطلب منا الكثير في الحياة يجعلنا نتساءل، هل هذا ضروري؟ وهذا التساؤل يدور في خلدنا جميعاً خاصة عندما نرى في الأعياد حيوانات تذبح ودمها يسفك من كل ناحٍ وصوب. فالبعض منا قد تعود على هذا ويفعله لأنه نشأ هكذا والبعض يرى ضرورة القيام بها ولكن بعضنا يتساءل، هل كان هذا فعلاً ضروري؟

دعونا نعود إلى البدء إلى حكاية محبة دخلتها خيانة وأصبحت الخيانة بحاجة لغفران وحل. كان أب يربي أولاده على طريقته ويحبهم ويمضي وقتاً معهم، يتمشون في الحديقة ويتكلمون معاً، ليس لأن الأب لم يعرف ما كان يفعله أولاده، بل لأنه كان يحب أن يسمع قصصهم منهم شخصياً، ويراهم يعبرون بأنفسهم عما يمرون به. كان كل شيء على ما يرام إلى أن عصى الأولاد الأب وقاموا بفعلة لا يمكن حلها إلا بتدخل مباشر من الأب.

القصة ليست بجديدة وهي معروفة لجميعنا، قصة آدم وحواء وعصيانهم الرب عندما أغواهم الشيطان للقيام بذلك. والتغيير الذي طرأ على هذه العلاقة كان وكأن قلب الآب طعن بالحربة، فأسرع ليحل مشكلة أولاده. ونرى الأولاد من خوفهم يختبؤون ويغطون أنفسهم بأوراق التين كحل لمشاكلهم. ولكن الأب تدخل وساعد أولاده بالرغم من غلطتهم وفظاعتها بنظره، فأعطاهم جلود حيوانات ليتغطوا بها، عوضاً عن أوراق الشجر. 

ولكن من أين جاءت جلود الحيوانات؟ وكيف ستحل التغطية بالجلود المشكلة الأساسية؟

لا نعلم ولكن ما يخبرنا إياه النبي موسى أن أولاد آدم وحواء تعلموا شيئاً، وهو أن يأتوا إلى الرب ويقدموا تقدمات. ويخبرنا موسى أن قايين وهابيل أتوا بتقدماتهم أمام الرب. وكان قايين قد جاء بثمار وقدمها للرب. أم هابيل فقدم أضحية كاملة سليمة من كل عيب، من أفضل ما عنده من ماشية. وقبِل الرب تقدمته، بينما لم يقبل تقدمة قايين. هذا سبب غضباً كبيراً عند قايين لا يزال مفعوله اليوم يجري في دم أولاده. فعوضاً على أن يفعل ما فعله أخيه ويُقدِّم أضحية مقبولة عند الرب، حوّل فكره وطاقته إلى التخلص من أخيه. 

ولكن الرب هو أب أيضاً، إذ علمنا المسيح أن نصلي: أبانا الذي في السماوات. فحاول الرب أن يحذره من القيام بذلك وقال له: إن أحسنت أفلا رفع؟ وإن لم تُحسِن فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها.

نرى من كلمات الرب أنه هناك دائماً خيار أمامنا والسلطة في أيدينا بالنسبة لقراراتنا المصيرية. ولكن قايين لم يأبه لتعليم الرب وعوضاً عن أن يقدِّم أضحية ترضي الرب، ضحى بأخيه وسفك دمه. وعند مُساءلة الرب له أجاب: لا أعلم أين أخي، هل أنا حارس لأخي. وبهذا أظهر كيف أن الخطية تؤدي إلى خطية أخرى، فالغضب وعدم سماع تحذير ونصيحة الرب قاداه لقتل أخيه، وقتل أخيه قاده للكذب والتمرُد.

وبعد هذه القصة يتلو علينا الكتاب أخبار وقصص الأولاد، الأنبياء الذين تقربوا من الآب وكُلهم قاموا بتقديم أضاحي عن أنفسهم وعائلاتهم للرب، أبوهم السماوي. وهنا نتوقف ونسأل، كيف يمكن لتغطية الأمور أن تحل المشكلة؟ فمنذ البداية التقدمة كانت للتغطية، لأن القانون في محضر الرب كما أعلن لنا في كلمته، أن النفس التي تخطئ تموت. لأن الخطأ هو ضد الرب، فالخطيئة دائماً تعتمد في قيمتها على الذي تخطئ إليه. فإن سرقت من شخص يسير في الطريق ليس ذو مكانة عالية اجتماعياً، قد تُعاقب. ولكن ما هي عقوبتك إن سرقت من بيت وزير؟ وإن صفعت شخصاً في الشارع، قد تُعاقب. ولكن ما هو عقابك إن صفعت الملك أو رئيس الجمهورية. فالخطيئة ليست مجرد الفعلة نفسها، بل أيضاً مكانة وقيمة الشخص الذي أهين بفعلتنا ضده. وبهذه الأمثلة نستطيع أن نرى مدى بشاعة الخطية وعظم قيمتها التي يجب أن تُدفع كتعويض عما قمنا به. الكتاب يقول إن أجرة خطية الإنسان نحو الرب هي الموت. 

ولكن الرب هو أبونا أيضاً ويريد أن تكون علاقتنا معه سليمة، وما حصل جعل هناك حاجز بيننا، لأن الرب بقداسته، لا يستطيع الخاطئ أن يحيا في محضره دون أن يموت. فكيف سيكون بإمكان أولاده المرضى بالخطية العيش في محضره؟ وكيف تعود المياه لمجاريها في علاقتهما؟

الجلود كانت أفضل من ورق التين، والأضحية كانت الحل المؤقت، لأنه كيف يكفِّر دم حيوان عن نفس إنسان؟ وهل يسر الرب بدم الحيوانات ورائحة شيها؟  وما هي مسرة الرب؟ هل يسر الرب بموت أولاده؟ وماذا يستطيع الإنسان أن يقدم عن نفسه؟ أسئلة تاريخية مصيرية سألها ويسألها أولاد آدم عبر العصور.

يخبرنا النبي يحيى، أنه وعند معموديته للمسيح، سمع صوت من السماء يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. وشهِد النبي يحيى (الملقب المعمدان) ان المسيح هو الأضحية المقبولة لدى الآب والتي سترفع خطايا العالم.

كيف يمكن أن يكون هذا؟ وكيف يقدر إنسان أن يُكفِّر عن كل الأنفس البشرية. الجواب يكمن في عدة إجابات يخبرنا عنها الرب، أبونا السماوي، ومنها، أن المسيح هو الأضحية المقبولة لدى الآب. فهناك تقدمات مقبولة وهناك تقدمات غير مقبولة، أي بمعنى آخر، الآب يقبل أن يُمثِّل المسيح كل البشرية.

ولكن كيف يمكنه وهو الفرد أن يحِل مكان الكل؟ الإجابة تكمن في سر وهو أن هذا الفرد فريد من نوعه، فهو ومع أنه تجسد وأخذ شكل آدمي، إلا أنه لم يكن محدودا بهذا الشكل بل كان يفوقه لأنه لانهائي في قيمة عدده، موجود في كل زمان ومكان، ويستطيع أن يُمثِّل كل واحد منا فرداً فرداً.

إذاً، وكونه على هذا المستوى، يستطيع أن يكون كفارة وأضحية مقبولة عن كل البشرية، خاصةً وأن الأب وافق على هذا الحل للصلح، بل وبادر به. وطبعاً على كل واحد منا أن يقبل عرض الرب عليه أم يرفضه، بالضبط، كما فعل أبونا قايين. فهل سنستجيب لدعوة الآب لنا ونأخذ ما يقدمه، أم سنتمسك بثمار تعبنا وأوراق التين ونغضب على أخوتنا عوضاً على أن نقبله؟

يقول لك الرب اليوم: إن أحسنت أفلا رفع؟ وإن لم تُحسِن فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها. أتريد أن يرفعك الرب من الهبوط الذي ورثناه كأولاد آدم وحواء؟ اقبَل صلحه.

Related

You need to login in order to comment