الأضحى في التوراة والإنجيل - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الأضحى في التوراة والإنجيل
22 August 2018

الأضحى في التوراة والإنجيل

هل أحببت شخصاً ثم حاولت الظروف أن تنزع حبيبك منك؟ ما كان شعورك في تلك اللحظة؟ الألم؟ عدم القدرة على التفكير؟ الشعور بلا حول ولا قوة لك لكي تفعل شيء؟ فقدان شخص نحبه من أصعب الظروف التي يمر بها أي انسان. 

في هذا الموضوع سنتطرق إلى حب أصبح حكاية قد تكون مشاعرها ضاعت في احياء ذكراها. اليوم سنتطرق إلى قصة تضحية لا مثيل لها. قصة الأضحى.

أطاع النبي إبراهيم الرب وترك أهله وأقاربه وعشيرته وسار بمن سار ممن ذهبوا معه من العراق إلى سوريا اليوم، ثم قال له الرب أن يكمل مسيرته إلى أرض كنعان، ويسكن هناك. ووعد الرب دائماً كان واضحاً له، "...فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة" (اقرأ التكوين ١٢).

عاش أبونا إبراهيم على هذا الوعد بأن الرب سوف يعطيه نسلاً، ولكن الأيام تلت الأيام ولم تحبل سارة ولم تنجب ولداً. هل تستطيع ان تتخيل الحديث الذي كان يدور بينهم عن وعد الرب وسبب عدم الحمل ومن السبب في تأخر تتميم هذا الوعد؟ بقي الحال هكذا يوماً تلو الآخر إلا ان بلغا سناً متقدماً جداً. وملت سارة من هذا الموضوع كله، خاصة أنها كانت معروفة بجمالها لأن فرعون مصر أرادها بسبب كلام الجميع عن جمالها.

وكلم الرب إبراهيم مرة أخرى بعد رجوعه من مصر إلى كنعان قائلاً، "... جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد وأجعل نسلك كتراب الأرض، حتى إذا استطاع أحد ان يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً يُعد" (اقرأ التكوين ١٢). ولكن مضت الأيام ولم ينجب إبراهيم (او ابرام قبل أن يغيّر الرب اسمه)، ونرى صراعه كإنسان بعد أن ظهر له الرب مرة أخرى وهذا ما دار بينهما:

الرب: لا تخف يا ابرام. أنا ترس لك. أجرك كثير جداً

ابرام: أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماض عقيماً، ومالك بيتي هو اليعازر الدمشقي؟ إنك لم تعطني نسلاً، وهذا ابن بيتي وارث لي.

الرب: لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك.

ثم اخرجه الرب الى خارج وقال: أنظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. هكذا يكون نسلك.

ويضيف النبي موسى في سرده لسيرة إبراهيم، "فآمن بالرب فحسبه له براً" (التكوين ٦:١٥). وقطع الرب عهداً مع إبراهيم هنا انه لنسله سيعطي الأرض، أي أنه سينجب ويكون له أولاد كثيرين. تخيل الآن كيف يشعر إبراهيم وهو يركض ليخبر سارة (او ساراي قبل أن يغيّر الرب اسمها)، ما دار بينه وبين الرب الذي ظهر له ووعده بنسل عظيم. تخيل فرحتهم ومحاولتهم التي باءت بالفشل. ويضيف النبي موسى، "أما ساراي امرأة ابرام فلم تلد له!" من المشكلة؟ هل هي الزوجة أم الزوج، قد نتخيل فقط الصراع في المنزل بينهما على من السبب. قررت سارة في نفسها انها هي السبب، أو بالأحرى أن الرب هو الذي أمسكها عن الولادة، وفي عمرها هذا، وبعد مرور تلك الأيام والسنين، عشر سنين من رجوعهم من مصر، نجدها وصلت إلى مرحلة قالت لإبراهيم فيها، "هوذا الرب قد أمسكني عن الولادة. أدخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين" (التكوين ١٦: ٢). وحبلت الجارية واحتقرت سيدتها لكونها عاقر وضاق الأمر بزوجة إبراهيم وما جلبته على نفسها بعدم انتظارها ليتمم الرب وعوده وأخذها بمحاولة تتميم الوعد بنفسها فجاء ذلك عليها بما جاء من الشعور بعدم القيمة وتلقي السخرية والنقص ولوم النفس وغيرها من المشاعر القاسية التي قد يمر بها كل من يحاول استباق الأمور مع الرب، وفي النهاية أساءت معاملة الجارية إلى أن ضاق بها الأمر وهربت من وجه سيدتها (اقرأ قصة هروب الجارية وعودتها وانجابها في التكوين ١٦).

وبعد طول انتظار، وصمت من الرب، ظهر له الرب عندما كان عمر ابرام ٩٩ سنة. وقال له كلمات صعبة ومؤنبة، "أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً" (التكوين ١٧). لماذا تكون هذه اول الكلمات يبادر بها الرب إبراهيم؟ لماذا لم يقل له، "أرأيت؟ لقد تممت وعدي. ألف مبروك!" هل التأنيب لأن إبراهيم أخذ الأمر على عاتقه وتصرف بنفسه دون أن ينتظر الرب أو يستشيره؟ إعلان الرب أنه القدير هنا يرينا مشاعر الرب نحو ايمان إبراهيم فنجده بحاجة لأن يذكره، وقوله "كن كاملاً" في سيرك أمامي تظهر عدم موافقة الرب على اللف والدوران الذي يقوم به الإنسان، حتى إن كان الأمر تتميم مشيئة الرب. ثم أضاف الرب: أما أنا فهوذا عهدي معك، وتكون أباً لجمهور من الأمم، فلا يدعى اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم، لأني أجعلك أباً لجمهور من الاًمم...ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل اسمها سارة. وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابنا. أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون" (التكوين ١٧). ماذا تظن كانت رد فعل ابراهيم؟

يخبرنا النبي موسى: فسقط إبراهيم على وجهه وضحك، وقال في قلبه، هل يولد لابن مئة سنة؟ وهل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟

لربما مرت بمخيلة إبراهيم كل محاولات الماضي وهم في عمر الإنجاب وهو شاب وهي صبية، أو ربما مرت بمخيلته وقع كلامه على سارة، عندما يقابلها مرة أخرى ويقول قال الرب أنكٍ ستنجبين لي ولداً. ولكن الرب يتفهّم هذا ونرى نوعاً من طبيعة الرب فيما سيسمي الإبن.

ثم أخذ إبراهيم يتضرع من أجل ابن الجارية ولكن الرب قال له، "بل سارة امراتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحاق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده". هل رأيت كلمة "بل"؟ الرب قائم على كلمته ليجريها وإن زالت السماء والأرض كلامه لا يزول. قال لإبراهيم ستنجب وهو زوج سارة وكان يعني ما قاله لهذا نجد الرب يُصر على ان سارة بنت التسعين سنة هي التي ستنجب كما قال ووعد. هل لهذا بادر حديثه بأنا الرب القدير؟ 

اسم إسحاق يعني، يضحك أو ضحك، وهنا وكأن الرب يقول، أنت تضحك على ما أقول وتظن أنه مستحيل، سأذكرك كل يوم من حياته بأني الرب القدير، عندما تنادي ابنك، "يا اضحاك!"

يقولون ان الزوجين بعد مرور زمن على زواجهما يبدأن يشبهان بعضهما وهذا ما نراه هنا.  في يوم من الأيام، جاء ثلاثة زوار يمرون بخيمة إبراهيم، ويبدو أن أحدهم كانت له مكانة تختلف عن الآخرين.

"وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار. فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: يا سيد، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك، ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة. فآخذ كسرة خبز، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون، لأنكم قد مررتم على عبدكم.

 فقالوا: هكذا تفعل كما تكلمت. فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: أسرعي بثلاث كيلات دقيقا سميذاً. اعجني واصنعي خبز ملة. ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلاً رخصاً وجيداً وأعطاه للغلام، فأسرع ليعمله. ثم أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله ووضعها قدامهم. وإذ كان هو واقفاً لديهم تحت الشجرة أكلوا.

وقالوا له: اين سارة امراتك؟ فقال: ها هي في الخيمة.

فقال: إني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن.

وكانت سارة سامعة في باب الخيمة وهو وراءه. وكان ابراهيم وسارة شيخين متقدمين في الايام، وقد انقطع ان يكون لسارة عادة كالنساء. فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ؟

 فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة قائلة: أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ 

في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن.

 فأنكرت سارة قائلة: "لم أضحك." لأنها خافت. 

فقال: لا! بل ضحكت.

 من هو هذا الزائر الذي يعلم الغيب ويستطيع أن يعطي وعود كهذه؟ نعلم ان الرجلين الآخرين كانا ملاكين، ولكن من هو هذا الثالث الذي يتلكم هكذا، ثم يقوم إبراهيم ويسجد له ويقول "شرعت أكلم المولى وأنا تراب؟" نقرأ في مجادلة دارت بين المسيح وبين اليهود في عصره، "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح. فقال له اليهود: ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم؟ قال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. فرفعوا حجارة ليرجموه" (يوحنا ٨). هل الرجل الذي جلس وأكل مع إبراهيم ثم سجد له إبراهيم وقال ما قال هو المسيح؟ لا نستطيع أن نجزم بنعم أو لا، ولكن الموضوع يجعل المرء يتساءل. ويختم اللقاء موسى بالقول، "وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم، ورجع إبراهيم إلى مكانه" (التكوين ١٨).

وبعد أن ولد إسحاق وأصبح شاباً وفرّح قلب أمه وأبيه بعد كل أيام السنين التي انتظروها لكي يتمم الرب وعده، يقول الرب لإبراهيم: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، اسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك" (التكوين ٢٢). وفعل إبراهيم ما أمره الرب. ولكن هل تتخيل ما كان يدور في ذهن إبراهيم؟ كيف يكون إسحاق هو ابن الموعد الذي وعد به الرب ويكون أباً لأمم كثيرة إن كان سيقدمه ذبيحة للرب؟ وكيف يطلب الرب طلب كهذا؟ 

يخبرنا موسى، "فبكر إبراهيم صباحاً وشد على حماره وأخذ إثنين من غلمانه معه وإسحاق ابنه وشقق حطباً لمحرقة، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله.

وفي اليوم الثالث، رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد. فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، واما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما.

فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معا.

وكلم إسحاق إبراهيم أباه وقال: يا أبي!

 فقال: هأنذا يا ابني.

فقال: هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟

 فقال إبراهيم: الله يرىله الخروف للمحرقة يا ابني.

 فذهبا كلاهما معاُ، فلما أتيا الى الموضع الذي قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق إبنه ووضعه على المذبح فوق الحط، ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه.

 فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم! إبراهيم!

 فقال: هأنذا

فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الأن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني.

 فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءهمُمسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه.

 فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع، يهوه يراه. "

ثم عند انتهاء الحديث مع الرب، عاد إبراهيم مع إسحاق وخدامه. ونستطيع فقط أن نتصور هذا العيد في بيت إبراهيم والأضحية التي قدمها الرب فدية عن ابن الموعد الذي وعد به إبراهيم.

ونرى صدى بعض الكلمات التي ترددت في الحوار مع إبراهيم في حياة المسيح. إذ نرى يوحنا المعمدان، المعروف أيضاً بالنبي يحيى يقول: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يوحنا ١: ٢٩). وبهذا يقول بأن ما قُدِم عن إسحاق هو المسيح، نسل إسحاق، الذي سيُقدم أضحية لفداء العالم أجمع. ثم نقرأ، " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيدلكيلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم، الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باِسم ابن الله الوحيد" (يوحنا ٣). 

ونقرأ عن يوم الأضحى، "بالإيمان قدم إبراهيم إسحاق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد، وحيده الذي قيل له، "أنه بإسحاق يدعى لك نسل"، إذ حسب أن الله قادرعلى الإقامة من الأموات أيضاً" (الرسالة إلى العبرانيين ١١). أخذ الرب بديلاً عن ابن إبراهيم أضحية ترمز إلى الأضحية العظمى التي هي المسيح الذي لم يمسكه الآب عن أن يقدم نفسه لأنه لهذا الغرض جاء عوضاً عني وعنك. فالأضحى ليس فقط ذكرى لحادثة مضت، بل هي ذكرى لما فعله المسيح من أجلك وكيف ستتجاوب مع ذلك؟ هل ستضحك على أسلوب الرب وحبه لك وقدرته على قيامة المسيح  في اليوم الثالث من الأموات لأجلك وتقول مش معقول؟ أم ستقبل الأضحية، المسيح، بديلاً عنك وتحيا إلى الأبد؟ الرب قدير.

 

Related

You need to login in order to comment