ليلة القدر - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
ليلة القدر
28 July 2018

ليلة القدر

يخبرنا النبي موسى عن صراع دار بين يعقوب وأخيه عيسو. لقد كان يعقوب، وهو المعروف أيضاً بالنبي يعقوب ابن النبي إسحاق ابن النبي إبراهيم، هو الابن المُفضل عند أمه، وكان عيسو الابن المفضل عند أبيه. وقد احتال النبي يعقوب على أخيه عيسو وعلى أبيه بمساعدة أمه رفقة، فسرق حق الباكورية وحق البركة من أخيه الأكبر عيسو، وهي جميع الامتيازات الخاصة بالإرث التي يتمتع بها الأخ الأكبر. فغضب عليه عيسو وأراد أن يقتله ولكن رفقة علمت وأرسلت يعقوب إلى بيت خاله لابان الذي كان يقيم في آرام، في سوريا اليوم.

وأخذ يعقوب ولابان يحتالان بعضهما على الآخر، وفي النهاية تزوج يعقوب بابنتّي لابان وكسب كثيراً من المال من عمله عند خاله. وذات يوم، يخبرنا النبي موسى عن يعقوب، "فسمع كلام بني لابان قائلين: "أخذ يعقوب كل ما كان لأبينا، ومما لأبينا صنع كل هذا المجد." ونظر يعقوب وجه لابان وإذا هو ليس معه كأمس وأول من أمس" (أنظر هذه الحادثة في التكوين ٣٠).

وفي هذا الوقت الذي شعر به النبي يعقوب أن زيارته لخاله قد آن أوانها أن تنتهي، وأن غربته لم تعد مكان آمن له ولمستقبله، كان في رعبة مما ينتظره إن عاد إلى مسقط رأسه لأن أخيه أصبح سيد قوم وله جيش ومال كثير. ولكن يعقوب لم يكن وحده، فهناك من عينيه على كل واحد منا ويعرف ما نمر به بأدق التفاصيل. يضيف النبي موسى، "وقال الرب ليعقوب: ارجع إلى أرض آبائك وإلى عشيرتك، فأكون معك... الآن قم أخرج من هذه الأرض وارجع إلى أرض ميلادك".

ومع أن الرب قال له أنه سيكون معه، إلا أن يعقوب كان مثل كل واحد منا، فحاول مساعدة الرب باتكاله على قوته الشخصية، فجمع كل ما كان له "وخدع يعقوب قلب لابان الآرامي اذ لم يخبره بأنه هارب". فلحقه لابان وقومه. ولكن الرب اضطر أن يتدخل ليحمي يعقوب، فزار لابان في حلم وقال له، "احترز من ان تكلم يعقوب بخير او شر". فعندما قال الرب ليعقوب أنا معك، كان يعني ما قاله، ولكن البشر بطبعهم يجدون صعوبة في الإيمان أو تصديق كلام الرب ووعوده، خاصة عندما يأتي وقت مواجهة الحياة وما يأتي عليهم فيها.

وعندما وصل لابان إلى يعقوب عاتبه كثيرا وكان من ضمن ما قاله له، "في قدرة يدي أن أصنع بكم شراً، ولكن إله أبيكم كلمني البارحة قائلاً: احترز من ان تكلم يعقوب بخير او شر".

كانت كلمات الرب تكفي لكي تطمئن النبي يعقوب وتؤكد له أن الرب سيحميه، ولكنه كان بشراً مثلنا. ومع أن الرب ظهر له، إلا أنه قد يكون شك في ذلك وظن أنه حلم. فظهر الله أيضًا للابان الذي لم يكن يؤمن بإله إبراهيم وحذره من أن يمس يعقوب. وبالرغم من ذلك سنرى من تطور الأحداث أن يعقوب استمر خائفاً جداً من العودة إلى بلاده. فقام الرب بتشجيعه بطريقة أخرى، وهذه المرة كان الأمر في وضح النهار "وأما يعقوب فمضى في طريقه ولاقاه ملائكة الله. وقال يعقوب إذ رآهم: هذا جيش الله!" ولذلك سمى المكان بلغته "محنايم". ومع أنه رأى الملائكة التي نزلت لتؤازره إلا أنه ظل خائفاً، "وأرسل يعقوب رسلاً قدامه إلى عيسو أخيه، إلى أرض سعير، بلاد آدوم"، وهي اليوم في جنوب غرب الأردن، بين البحر الميت وخليج العقبة (أنظر هذه الحادثة في التكوين ٣١).

عاد سفراء يعقوب برسالة إليه، "أتينا إلى أخيك، إلى عيسو، وهو أيضاً قادم للقائك، وأربع مئة رجل معه". وكانت ردة فعل يعقوب، "فخاف يعقوب جداً وضاق به الأمر، فقسم القوم الذين معه ... إلى جيشين، وقال: إن جاء عيسو إلى الجيش الواحد وضربه، يكون الجيش الثاني ناجياً". ثم أعلن يعقوب عن خوفه بمناجاته الرب وقوله له: أنا افعل ما قلت لي، ولكني خائف من أن عيسو سيمحي أثري من الوجود. وقام يعقوب بتذكير الرب بوعوده له، وبدلا من أن يتشجع بالوعود، أصر على خوفه واحتياله واتكاله على نفسه كما يسرد لنا النبي موسى في هذه الحادثة في التكوين ٣١.

وكان بعد أن أرسل النبي يعقوب ممتلكاته وعائلته أمامه للقاء عيسو، أنه بات الليلة وحده. وما حدث في تلك الليلة حيّر علماء اليهود والمسيحية وكل قارئ لها في إيجاد تفسير واضح لما دار. وإن كانت هذه الحيرة تدل على شيء فهي تدل على أن هذه الكلمات ليست بشرية، بل كلمات صريحة تصرح بالواقع سواء قبِلَه الإنسان أم رفضه. ولو كان الأمر بيد اليهود أو المسيحيين، لربما لم تكتب هذه الكلمات هكذا، ولكن النبي موسى كتب ما أخبره به الرب بدون مجاملة أو محاباة، فأخبرنا: "فبقي يعقوب وحده، وصارعه انسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنّه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه". كانت الليلة ليلة سلام ليعقوب إلى مطلع الفجر حين ضربه الرجل الذي صارعه وخلع حق فخذه. 

من هو هذا الرجل الذي ظهر في الليل ليعقوب؟ وما كان سبب الصراع ونوعه؟ ومن الذي لم يقدر على من؟ ولماذا خلع له حق فخذه؟ كل هذه أسئلة احتار فيها علماء الدين وحاولوا إيجاد تفاسير لها.

ولكننا نقرأ في النص أن الصراع كان على النحو التالي: قال الرجل للنبي يعقوب، "أطلقني، لأنه قد طلع الفجر". فأجاب النبي يعقوب، "لن أطلقك ان لم تباركني". فسأله الرجل، "ما اسمك؟" فقال، "يعقوب". فأجاب الرجل، "لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت".

نفهم من هذا الحوار ومما جرى في هذه الحادثة أن يعقوب كان خائفاً فظهر له الرب أولا في حلم، ثم ظهر للابان، ثم رأى يعقوب ملائكة، ومع ذلك أصر أن يبقى "يعقوب"، أي الرجل الذي يخطط ويلجأ لكل أنواع الحيل لينجي نفسه ويحقق أهدافه من نجاح وبقاء على قيد الحياة. ولكن حدث لهذا الرجل الخائف الذي أمضى الكثير من الأشهر في التحضير للقاء أخيه والقلق بشأنه، تغيير جذري في هذه الليلة، ليلة قَدِر فيها أن يصبح انساناً جديداً، وتغير اسمه من النبي يعقوب إلى إسرائيل، أي "الذي يجاهد مع الله". ولم يعد يستطيع الاتكال على قوته إذ خلع له حق فخذه عند مطلع الفجر. وفي هذه المنازلة التي حدثت تلك الليلة وقيل فيها ليعقوب ما معناه: أنظر أنك نازلت الله والناس وقدرت، كانت رسالة تشجيع من الرب ليعقوب الذي كان مرعوباً جداً من سماع خبر السفراء الذين أرسلهم إلى عيسو. ثم يخبرنا النبي موسى عن عادة صارت عند أولاد يعقوب وأحفاده لتذكرهم بهذه الحادثة، حادثة خلع حق فخذ يعقوب، "لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا على حق الفخذ إلى هذا اليوم، لأنه ضَرَبَ حق فخذ يعقوب على عرق النسا". 

ونسأل مع من سأل، متى نازَل يعقوب الرب؟ ومن هو هذا الرجل الذي نازَل النبي يعقوب بسلام حتى مطلع الفجر؟ وما نوع المنازلة؟ هل كانت صراع كلامي أم صراع جسدي؟ نجد في إصرار يعقوب على أن يباركه ذلك الرجل طلب غريب ونظرة ولو قصيرة إلى نوع النِزال الذي حدث تلك الليلة المصيرية.

ويعطينا موسى جواب قد يبدو مبهماً عن الرجل من خلال سؤال يعقوب له عن اسمه. فأجاب، "لماذا تسأل عن اسمي؟" ثم رافق ذلك بمباركته للنبي يعقوب. كيف يبارك هذا الرجل يعقوب ولماذا يطلب يعقوب بركته؟ ومن هو هذا الرجل ولماذا يجيب هكذا؟

ولكن العجيب هو ما قام به النبي يعقوب بعد ذلك، يخبرنا النبي موسى، "فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل". وقد قام بذلك لأنه قال، "لأني نظرت الله وجهاَ لوجه، ونُجِّيت نفسي"! كيف رأى الرب وجهاً لوجه وهو كان مع رجل؟ وما المقصود بأنه صارع الله والبشر وقدر؟ هل ظهر له الرب بهيئة رجل؟ هل نازل الله النبي يعقوب في ليلة كان فيها بسلام حتى مطلع الفجر، ليلة قال له الرجل الذي صارعه فيها أنه نازل الله والبشر وقدر؟

ما نعلمه أن يعقوب استطاع بعد هذه الليلة مواجهة أخيه عيسو ولكن ليس بقوته الشخصية، بل حصل ما لم يتوقعه القارئ في هذا اللقاء. فبدل أن يضحي يعقوب بجميع من معه أولاً، صار قدام الجميع لملاقاة أخيه عيسو وجيشه. ذهب بمفرده قدامهم وهو يخمع على فخذه، "وسجد إلى الأرض سبع مرات حتى اقترب إلى أخيه". ويمكننا فقط تخيل الألم الذي كان يشعر به في فخذه والذي اصطحب كل سجدة مذكرًا إياه بأن الرب معه. وكانت ردة فعل عيسو بعكس ما خافه يعقوب، "فركض عيسو للقائه وعانقه ووقع على عنقه وقبَّلهُ، وبكيا". وعندما وصل يعقوب إلى المنطقة واشترى أرضاً، نجده يبني مذبحاً ويسميه "إيل، إله إسرائيل"، شهادة على أمانة الرب في حمايته وارجاعه إلى بلاده بسلام.

والآن السؤال لك، من ماذا أنت خائف؟ اسمع ما يقوله الرب، "وادعني في يوم الضيق انقذك، فتمجدني" (مزمور ٥٠ للنبي داوود). هل دعوت الرب لكي ينقذك ويساعدك؟ هل تثق به وبقدراته؟ أم تريده أن يترك فيك علامة على أنه معك؟ لقد اضطر أن يخلع فخذ يعقوب لكي يجعله يصدقه ويتكل عليه، ماذا تريده أن يفعل معك لكي تؤمن وتصدّق؟ يعِدُ الرب أتباعه، "ويكون في يوم يريحك الرب من تعبك ومن انزعاجك، ومن العبودية القاسية التي استعبدت بها" (إشعياء ١٤: ٣). ادعه اليوم، فقد تكون هذه الليلة ليلة قدر لك في حياتك تُذكِرك بمن آمنت وبأنه قادر أن يحفظ ويهتم بما تضعه بين يديه. لا تحمل عبئك وحدك، بل ألقِ همك عليه لأنه يعتني بك.

 

Related

You need to login in order to comment