من أنت؟ - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
من أنت؟
01 August 2018

من أنت؟

 عندما نلتقي بشخصٍ ما لأول مرة وخاصة لو كان من المسنين الذين لديهم دراية بشبكات العائلات وفروعها، عادةً ما نُسأل: "من أنت؟" و"ابن من أنت؟" و"من أين أنت؟" ثم يأخذ السائل بطرح أسئلة أخرى عن هويتنا وعملنا لكي يقدر أن يضعنا في إطار مُعيّن داخل الشبكات الإجتماعية وفروعها. وقد يقيِّمونا بعد هذه الأسئلة فيقرروا ما إذا كنا أهلاً لما هو مقابلنا من عمل أو منصب أو زواج. وهذا الحال ليس بجديد ولم يتغيّر كثيراً عبر السنين. فمنذ ألفي سنة سأل الناس المسيح نفس الأسئلة. فماذا يا ترى كانت إجابته؟

يخبرنا شهود العيان أن المسيح عرّف عن هويته في إجابته على سؤال "من أنت؟" بالأجوبة التالية:

١-"أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً" (يوحنا ٦: ٣٥). كلمات صعبة القبول. كيف يقول المسيح أنه خبز الحياة؟ هل يستطيع فعلاً أن يملأ الفراغ الذي في داخلنا بعد أن يسودنا الشعور بأنه لم يبقى شيء له معنى وقيمة في الدنيا من حولنا؟ ولكن هذا ما عرّف به المسيح عن نفسه. والملفت للانتباه هنا أن المسيح في مواجهته مع إبليس قال له: "مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى ٤:٤). ثم يخبرنا يوحنا أن المسيح نفسه هو كلمة الله (أنظر يوحنا ١). ومن كل هذا نستنتج أن الخبز المادي لن يكفي أبداً لإشباعنا. ويتضح هذا في حياة من نراهم حولنا يتسلقون ويستغلون الآخرين فقط لكي يحاولوا أن يملأوا ذلك الفراغ في حياتهم، وإذ بهم في النهاية لا يزالون يشعرون بعقدة النقص وإذ بكل ما استهلكوه من مواد وبشر لم يشبع ذلك الجوع ولم يروي ذلك العطش للهوية والمعنى الموجود في داخلهم. يقول المسيح لهم ولنا، أنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يملأ هذا الفراغ، هذا الجوع إلى المعنى والعطش إلى القبول وخاصة في أعين أنفسنا. ثم يعطينا وعداً لا يحق لبشري أن يعطيه، "أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (اقرأ يوحنا ٦ لتعرف كل ما قاله عن هذا الخبز).

٢-"أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يوحنا ٨: ١٢). سببت هذه الكلمات مجادلة طويلة ومثيرة مع سامعيه في يوحنا ٨. كثيرون ممن حولنا، وربما نحن أنفسنا، في حاجة إلى معرفة كيفية السير في هذا العالم الغامض المظلم الذي نعيش فيه. كلنا بحاجة لمرشد يهدينا، تمامًا كالسفينة التي هي في عرض البحر تبحث عن شاطئ الأمان، وعند رؤيتها للنور يفرح كل من فيها لذلك النور. للأسف، تعلَّم الكثير منا أن يلبس قناع الاتكال على الذات والعيش في الظلمة وتزيينها لتصبح مكان يمكن العيش فيه ولو لمدة. لكن المسيح يدعونا لشيء عظيم. إنها دعوة ليعطينا نور الحياة الذي يقودنا هنا على الأرض وإلى ما بعد الأرض. إنه يدعونا لحياة أفضل من التي تعوّدنا عليها.

٣-"أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يوحنا ١٠: ٩). كلمات في سياق هام جداً تُعرف عن شخص المسيح ولكن سامعيه لم يفرحوا لكلماته بل قالوا عنه، "بِهِ شيطان وهو يهذي. لماذا تستمعون له؟

قول المسيح أنه الباب، أي باب السماء، يعني أنه لا يوجد مدخل آخر إلى السماء إلا عبر المسيح. لهذا لم يفرح بكلماته سامعيه من اليهود الذين نظروا إليه كمعلم آخر وربما كمجرد معلم كافر بل ووصلوا في استهتارهم به للقول بأنه يهذي وبأن به شيطان. كل هذا لكيلا يواجهوا حقيقة كلامه. فبرأيهم كان لا بد من وجود أبواب كثيرة للدخول للسماء والمسيح ممكن أن يكون أحدها. لكن المسيح لم يفسح لهم هذا المجال بل أصر أنه هو الباب الوحيد للسماء.

٤-"أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يوحنا ١٠: ١١). بهذه الكلمات عرّف المسيح عن شخصه وطبعه ومهمته. فهو لم يأتي لكي يسأل الناس أن يضحوا من أجله ليكون له اسم ومركز. ولم يطلب من الناس مالهم وأبنائهم لكي يعطيهم وعد بشيء في المستقبل. بل على العكس، كونه الراعي الصالح وضع هو نفسه وقدمها أضحية من أجل خلاص شعبه. وكلمة خراف هنا هامة لأنها تدل على كونها غير قادرة على حماية وخلاص نفسها من أنياب الذئاب والأسود، بل هي بحاجة لراعي يحميها. وهذا الراعي لا يقول "وما المشكلة في أن يؤكل خروف؟ هناك ٩٩ غيره"، بل يضحي بنفسه حتى من أجل ذلك الخروف الضائع. ونحن البشر في العالم الروحي كالخراف، لا نفهم الحرب الروحية وما يدور حولنا كما يشرح لنا الكتاب، "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس ٦: ١٢). كل هذه الرتب من أجناد الشر الروحية لا نفهم عنها إلا القليل جداً ونرى الشحيح من ضوء عملها فيما حدث مع النبي دانيال على نهر دجلة وما قاله له الملاك جبرائيل، "لا تخف يا دانيال، لأنه من اليوم الأول الذي جعلت قلبك للفهم ولإذلال نفسك قدام إلهك، سُمِع كلامك، وأنا أتيت لأجل كلامك. ورئيس مملكة فارس وقف مقابلي واحداً وعشرين يوماً، وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي، وأنا أبقيت هناك عند ملوك فارس...." (اقرأ دانيال ١٠). هل لاحظتم كوننا خراف في الحرب الروحية ولا نعرف ما يجري حولنا؟ هذا دانيال النبي، الرجل المحبوب يصلي إلى الرب ولمدة واحد وعشرين يوما ويمنع رئيس مملكة فارس جبرائيل عن اجابته، ورئيس مملكة فارس هو من الجنود الروحية وتبدو مرتبته من المراتب العليا فيما ذكر في أفسس ٦، ويبدو أن تحت سلطته ملوك، ولكن جاء واحد من أعلى رتب ملائكة الرب لمواجهته. ونرى مثل هذا أيضا في رسالة يهوذا أخو المسيح الذي حذرنا من الاستهانة والافتراء على تلك الأجناد، "وأما ميخائل رئيس الملائكة فلما خاصم إبليس محاجاً عن جسد موسى لم يجسر أن يورد حكم افتراء، بل قال: لينتهرك الرب! - ولكن هؤلاء يفترون على ما لا يعلمون، وأما ما يفهمونه بالطبيعة كالحيوانات الغير ناطقة ففي ذلك يفسدون" (يهوذا ١: ٩و١٠). ونحن كالخراف في العالم الروحي وبحاجة لراعي صالح يضحي من أجلنا ويحمينا ويفهم ما يدور حولنا، وخاصة خارج العالم المادي المرئي. وفي الكلام عن هذا العالم يقول لنا المسيح، "ان كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون ان قلت لكم السماويات؟ وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء" (اقرأ يوحنا ٣). كيف يكون ابن الإنسان في السماء وعلى الأرض في نفس الوقت؟ قد لا نعي ذلك، ولكن لنا في ذلك طمأنينة وسلام لنفوسنا، لأننا لا نحتاج أن نخوض هذه الحرب وحدنا، كالخراف في وجه الذئاب، فهناك راعي موجود في كل مكان يحامي عنا ويحمينا ويدافع عنا إلى المنتهى.

٥-"أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام" (يوحنا ١٠: ١). وقد كانت هذه كلمات تعزية ووعود خاصة بتلاميذ المسيح المؤمنون به. من الواضح جداً أيضاً في هذه الكلمات أن كل شخص آخر يدعي أنه هو شيء بالنسبة لله وبالنسبة لملكوته هو مزيّف. الوحيد المقبول عند الآب هو الابن وبه نحن تلاميذه نجد حياتنا، بالتصاقنا به كالتصاق الأغصان بالشجر، لأننا بدونه لا نستطيع أن نأتي بثمر أو حتى أن نحيا. يجب على المؤمن أن يبقى ملتصقاً بالمسيح لكيلا يذبل ولا يعود مثمر أو صالح. كل من تعامل مع الشجر يفهم أهمية كون الأغصان ملتصقة بالشجرة وكيف تذبل وتموت عندما نقصّها عن الشجرة. وأغصان الكرمة هنا مهمة، لأنها تتسلق وتتمسك بأشياء كثيرة وحتى ببعضها البعض. فيا تلميذ المسيح تمسك بالمسيح مصدر حياتك ولا تدع العالم يلهيك عن حياتك وهويتك لكيلا تجد نفسك بلا ثمر في حياة إيمانك. ولك هذا الوعد من المسيح، "إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" ويضيف، "بهذا يتمجد أبي: أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي" (يوحنا ١٠: ٧ و٨).

٦-"أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟" (يوحنا ١١). وجهت هذه الكلمات وهذا السؤال لمرثا عند موت أخيها لعازر. وكانت مرثا حزينة لموت أخيها ولكن المسيح كان مزمعاً أن يقيمه جسدياً ولكن كان هناك ما هو أهم من إقامة ميت من الأموات، ألا وهو خلاص مرثا، لأن على ذلك يترتب مصيرها الأبدي. وهنا نرى التغيِّر الذي حصل لمرثا التي كانت قلقة وحزينة وإذ بها تُعلن، "نعم يا سيد. أنا أمنت أنك أنت المسيح ابن الله، الآتي إلى العالم" (يوحنا ١١). وبعد إعلانها هذا، أقام المسيح أخيها الذي يبدو بوضوح أنه كان مؤمناً بالمسيح لأن المسيح عبر عن موته بهذه الكلمات التي لم يفهمها السامعين، "لعازر حبيبنا قد نام. لكني أذهب لأوقظه" (يوحنا ١١).

إن قيامة الجسد سهلة على الرب ولو كانت عسيرة في أعيننا. ولكن المعجزة الحقيقية هي إيمان شخص وولادته الجديدة، مثلما حصل مع مرثا هنا. فالمعجزة والقيامة الحقيقية حصلت لمرثا، أما لعازر فكان مؤمناً ونائما، من وجهة نظر الرب لموت المؤمن. (أنظر الرسالة الأولى إلى تسالونيكي ٤، وأفسس ٥، والرسالة الأولى إلى كورنثوس ١٥). وبهذا الإعلان أقر المسيح أنه لا قيامة أبدية ولا حياة أبدية إلا به وحده. فهو الذي يقيم وهو الذي يحيي لأنه هو نفسه الحياة. فجسد المؤمن سيقيمه المسيح ولكن الأهم هي روح المؤمن الذي يحييه المسيح فيحيا إلى الأبد ولا يذوق الموت الأبدي ولا عذاب القبر ولا أي شيء من ذلك.

٧-"أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي" (يوحنا ١٤: ٦). تسبق هذه الكلمات فاتحة هامة ودعوة لك ولي: "لا تضطرب قلوبكم! أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي" (يوحنا ١٤: ١). أن يقول الإنسان أنه يؤمن بالله شيء، وأن يؤمن بالله الحقيقي شيء آخر. الفكرة موجودة منذ البدء وعند جميع البشر أن شخصاً أكبر من كل ما هو موجود شكّل ما هو موجود، إما بنفسه أو عن طريق عدة آلهة أقل منه رتبة. ويمكن للإنسان بالفطرة أن يقول، "أني أؤمن بوجود الله". ولكن ماذا يحدث عندما يواجه الله وجها ً لوجه؟ هل فعلاً يؤمن به؟ من هنا يأتي استغراب المسيح في كلماته "أنتم تؤمنون بالله"، فسامعيه عامةً، والذين كانوا يسيرون وراءه لسماع تعليمه من مكان لآخر، كانوا جميعاً يؤمنون بفكرة وجود الله، ولكن عندما تجسد كلمة الله وسار بينهم وجد أنهم يؤمنون بالفكرة، لا بالله نفسه، فاستغرب عليهم ذلك، فأعطاهم هذه المقارنة "أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي". بمعنى آخر كيف تقولون أنكم تؤمنون بالله وها أنا تجسدت وصرت أمامكم وقمت بكل هذه المعجزات وأخبرتكم ما في قلوبكم وشفيت مرضاكم وغفرت خطاياهم ولا زلتم لا تعرفون من أنا؟ ومن هنا اعلانه بوضوح أنا هو الطريق، لا طريق آخر إلى الله، بل هو الطريق والباب معاً، لا طريق ولا مدخل آخر للأبدية غيره. وأنا هو الحق، أي أن من يدعو إلى أي طريق وباب آخر وشخص آخر هو باطل وكاذب ولص. ويقر هذا بوضوح في يوحنا ١٠.

وأهمية قول المسيح "أنا هو" كانت واضحة لسامعيه وهو سبب مجادلتهم له كما أنه سبب طلب المسيح منهم الإيمان بمن هو. هذا اللقب هو ما نطق الرب به عن نفسه عندما سأله موسى في التوراة في سفر الخروج، "فإذا قالوا: لي ما اسمه؟ - فماذا أقول لهم؟" فأجابه الرب، "أَهْيَهِ الذي أَهْيَهِ" وترجمة "أَهْيَهِ " هي "أنا هو". (أنظر سفر الخروج ٣).

ونختم عن شهادة المسيح لنفسه بكلماته "أنا لا أقبل شهادة من إنسان، ولكن أقول هذا لكي تخلصوا أنتم...والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته، وليست لكم كلمته ثابتة فيكم، لأن الذي أرسله هو لستم تؤمنون به. فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي. ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة. مجداً من الناس لست أقبل! ولكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم" (يوحنا ٥). ثم يكمل المسيح ويقول قولاً شهيراً، "أنا أتيت بِاسْم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر بِاسْم نفسه فذلك تقبلونه!" ويتبع قوله بهذا السؤال لنا، "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟" (يوحنا ٥: ٤٤). كيف تجيب على سؤاله؟

Related

You need to login in order to comment