X
GO
صاحب الجلالة
11 July 2018

صاحب الجلالة

هل أنت صاحب الجلالة المتربع على عرش حياتك؟ أم أنك أسير مكبل تفعل ما تؤمر به، شئت أم أبيت؟ هذا سؤال يجب على كل منا أن يتوقف ويتأمل به ولو مرة في حياته.

قرأت مؤخرًا قضية أثارت لدي الكثير من التساؤلات وجعلتني أتوقف وأفكر في هذا الصراع البشري الذي لا نهاية له طالما يعيش الإنسان على الأرض. كان الأمر يتعلق بجريمة قتل: طلب الأب من أولاده أن يودِّعوا أمهم لأنه سوف يقتلها. ثم قام فعلاً بقتلها بصورة بشعة وفظيعة. ولكن المدعي العام لم يكن جاهزاً للحجج التي قدمها الدفاع والتي قبلتها المحكمة. لقد بنى الدفاع حجته على ما يلي: أن خليط جينية المُحارب، وهي نوع متغاير للجينية المعروفة علمياً باسم(MAO-A)، بالإضافة إلى العنف الذي تعرض له القاتل في صغره، وغير ذلك من الأحداث التي مر بها في حياته، هو الذي جعله يتصرف بتلك الفظاعة. وبالتالي كان الحكم عليه مخففًا بسبب قبول المحكمة لواقع وجود ميول عند القاتل لهذا النوع من العنف. ومع أنهم أقروا أن كل هذه المقومات مجتمعة ليست بالضرورة سببًا في هذا النوع من العنف، إلا أنهم وافقوا على فكرة أنها تجعل الميول إلى العنف عند هذا الشخص محتملة جداً وأقوى منها عند غيره.

نقرأ في تلك القصة وغيرها أن الإنسان يعيش تحت سلطان ما وأنه ليس هو المتسلط! فمع أن الإنسان يظن أنه صاحب القرار، إلا أنه كثيرًا ما يجد نفسه في فراغ قاتل ومتورطًا في أمور نتجت عن فعله ما لم يكن يريد عمله، وما لم يكن يرغب في عواقبه. وإذا عدنا إلى تلك اللحظة التي قام فيها بهذا التصرف غير المرغوب فيه، سنجد أن كل ما في داخله كان يوجهه، بل ويدفعه دفعًا في اتجاه هذا التصرف، في حين كان عقله وضميره يحاولان ردعه وتأنيبه. وهذا الصراع ليس بحديث وهو لا ينتهي. بل هو صراع يواجه كل بشري على هذا الكوكب في كل زمان وكل درب وصوب. ونرى أصداء هذا الصراع في الكلمات التالية التي كتبت منذ آلفي سنة:

لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل... الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل.(أنظر رومية ٧).

والسؤال هنا هو: من أين أتت هذه الميول المختلفة التي تحاول أن تتسلط على أجسادنا وتديرنا باتجاهات تنتهك أجسادنا وممتلكاتنا وأجساد وممتلكات من حولنا؟ يجيب الكتاب المقدس بوضوح معلنًا أن الخطيئة تعمل في أجسادنا وتريد أن تتسلط عليها. وقد نفهم الخطيئة فقط ككسر لوصية وشريعة الرب الذي يحاول أن يفرض علينا أراءه ويحكم علينا بشرائعه. ولكن الأمر أكبر من ذلك وأخطر، إن صح القول، على الأقل من منظار آدمي. فالخطيئة تعمل في أجسادنا منذ الحَبَل بنا وولادتنا. يخبرنا عن ذلك النبي داوود بقوله: هأنذا بالإثم صورت وبالخطيئة حبلت بي أمي (مزمور ٥١). وهذا الحال يدفعنا للتساؤل: هل من علاج؟

لقد أرسل لنا الرب في البداية وصاياه لكي يعلمنا منها درساً. والوصايا، أو الشريعة والفتاوى المبنية عليها، استغلت وجود الخطية فينا واحتياجنا للتخلص منها ومن تأثيرها علينا بأن جلست هي، أي الخطية مستغلة لوجود الشريعة، وتربعت على عرش حياتنا واستعبدتنا. فأصبحنا نسأل كيف نفعل هذه الوصية وكيف نتمم تلك وما رأي الدين في هذا أوذاك؟ ولكن باستغلالها لوجود الخلل فينا بسبب الخطية أصبحنا مستعبدين للشريعة ما دمنا على هذه الأرض ولم يعد لنا عتق من هذه العبودية إلا بالموت. فعند الموت لن نعود نسأل عن فتاوي ولا وصايا. بل سنُسأل أن نعطي حساب ما ائتمنا الرب عليه. والقول الذي وعدنا المسيح انه سيقال لنا: اعطِ حساب وكالتك! (لوقا ١٦: ٢). ولذا فذاك اليوم يعرف بيوم الحساب.

إذا الخطية أخذت فرصتها في حياتي واستغلتني بسبب الشريعة، فأصبحت عبدًا للإثنين: الخطية والشريعة. وهذه العبودية تجعل الكثير منا ينفر ويتمرد على الشريعة، وإذ بالخطية تمتلكنا وتجعلنا نتمم مشيئتها، مما قد يعطينا "فائدة" أو متعة مؤقتة، ولكن مع شعور دائم بالإحباط وبالاحتقار للنفس وللآخرين بسبب تربع الخطية على عرش حياتنا.

ولكن هذا العرش صُنع في الأساس لشخص واحد، وكل شيء غيره يجعلنا نشعر بقلة القيمة والإحباط والفراغ. وقد عبّر عن ذلك العالم بليز باسكال في قوله "هناك فراغ في قلب كل إنسان يشبه شكل الله ولا يمكن أن يملأه أي شيء مخلوق، فقط الله يستطيع أن يملأه، الخالق، الذي نعرفه من خلال المسيح."

وقد أكد المسيح على ضرورة تخلصنا من عبودية الخطية فقال "الحق أقول لكم: إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً" (يوحنا ٨: ٣٤- ٣٥). 

إن كسر سلطان الخطية التي استغلت الشريعة، وإبطال نتيجتها النهائية التي تجعلنا جميعاً نموت ولا نتمتع بالحياة إلى الأبد في علاقة مع خالقنا، هي المهمة التي جاء المسيح لكي يتممها على هذه الأرض. وإذ قام بذلك، دفع ما هو مستحق وأعتقنا من عبودية الخطية والشريعة متبنياً إيانا لله الآب، إن قبلنا نحن ما فعله لأجلنا. وبهذه البنوة نستطيع أن نحيا إلى الأبد معتوقين من عبودية الخطية ونتيجتها، وهي الموت والانفصال الأبدي عن الله الخالق الذي أرانا المسيح يسوع صورته.

توقف الآن واسأل نفسك: من الذي يُسَيّر حياتي ويقود قراراتي وأفكاري وتصرفاتي؟ هل أنا عبد للخطية والشريعة؟ أم هل اختبرت الحرية التي تحرر من عبودية الخطية والشريعة؟ الحرية التي هي في المسيح يسوع.

 

Related

You need to login in order to comment