! لم أنضج بعد - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
! لم أنضج بعد
26 April 2018

! لم أنضج بعد

كنت أتمنى أن أزرع شجرة كرز من النوع الحلو المذاق وعندما درست موضوع زراعتها، وجدت أنها قد تأخذ ٣-٧ سنوات من العناية كي تعطي ثمراً جيداً. ووجدت عند البحث أن الكثير من الأشجار التي تحمل أنواع الفاكهة اللذيذة، علينا أن نزرعها ونهتم بها لسنتين أو ثلاثة أو أكثر قبل أن نتلذذ بثمارها. هذا هو حال الأشجار، أما البشر فالموضوع قد يطول أكثر من ذلك! 

نرى في تلاميذ المسيح وفي حياة انبياء العهد القديم أمثلة كثيرة على هذا النمو الذي يحتاج لوقت وتجارب وجلوس في محضر الرب وتهذيب الرب لنا لنصبح ذوات ثمار دائمة في حقله. أشجعك هنا على دراسة حياة الأنبياء في العهد القديم، كإبراهيم ويوسف ويونان (يونس) وداوود، وسليمان الذي جرّب كل شيء قبل أن يكتب كلماته الشهيرة في سفر الجامعة "فاذكر خالقك في أيام شبابك، قبل أن تأتي أيام الشر أو تجيء السنون إذ تقول: ليس لي فيها سرور" (سفر الجامعة ١:١٢). 

عملية النضوج تحتاج الى وقت ومثابرة وصبر وكفاح مستمر في وجه الكثير من المشقات والصعوبات، فالذي يزرع شجرة يعرف الكم الكبير من العناية وقص الأغصان ورش الحشرات وإعطاء الثمار ما تحتاج إليه للنمو. والرب يساعدنا نحن البشر على النمو والنضوج عبر الاختبارات التي يمررنا بها من جبال وأودية ومن أنهار وأمواج، وإن اضطر الأمر سيجعل حوت يبلعنا وينزلنا إلى الأعماق لكي يجعلنا مثمرين، كما فعل مع النبي يونان.

واليوم أنت والمسيحيون حولك في مراحل مختلفة من عملية النضوج مع الرب. وهذا ليس بجديد، إذ لنا في ذلك أمثلة كثيرة في حياة التلاميذ ومسيرتهم مع المسيح وتصحيح الرب لهم لينمو، فنجد أن بطرس الذي في وقت ما قال له المسيح "يا شيطان!" ليريه اعوجاج تفكيره عندما حاول منع المسيح من الذهاب للصليب، يصبح رجلاً يكرز بالمسيح الذي صلب ومات وقام، بل ويذهب بنفسه ليخدُم ويُصلب في روما، إبرازاً لإيمانه ونضوجه. وهناك أمثلة أخرى كثيرة في الكتاب مثل محاولة المسيح لحل الخلافات بين التلاميذ حول من هو الأعظم بينهم، وغيرها من الأمثلة التي إن كانت تدل، فهي تدل على أن النضوج يأخذ وقتاً ولا بد أن يعطى ذلك الوقت مع الصبر والقيام بدورنا لمساعدة النمو في أنفسنا والآخرين.

ومن الأمثلة التي نراها في الكنيسة الأولى هي في حياة بولس الرسول الذي خدم مع مرقس وبرنابا خدمة عظيمة. ولكن بعد ذلك بقليل، نجد بولس وبرنابا يتشاجران ويأخذان طرق مختلفة أدت إلى انتشار الكنيسة في مناطق عديدة بقوة. وقد كان شِجارهما حول مرقس كاتب الإنجيل والذي هو واحد من التلاميذ السبعين الأوائل، بحسب تاريخ الكنيسة، وكانت امه ممن دعموا المسيح مادياً في خدمته وفتحت بيتها للتلاميذ والكنيسة الأولى. وكان لمرقس قرابة عائلية مع الرسولين بطرس وبرنابا، وكان قد خدم مع برنابا وبولس في الرحلة الأولى في تركيا حالياً، وقبرص، وأماكن أخرى، وهو يهودي ليبي الأصل من منطقة المدن الخمس. ولكن بالرغم من كل ذلك وجد فيه الرسول بولس ضعفاً في وقت ما، فما كان منه إلا ان يرفض أن يذهب مرقس معهما في خدمتهما، مما أزعج برنابا الذي أصر أن يأخذ مرقس معهما فافترق الرسولان: "فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر" (أعمال الرسل ١٥: ٣٩). 

أذكر هذه القصة هنا لكي نعلم جميعاً أننا بشر وبطبيعتنا البشرية قد نختلف مع الآخرين، ولكن هذا لا يعني أنهم سيئون، بل يعني أن هناك نضوج لا بد أن يكتمِل في كل منا. ولهذا يعظنا المسيح أن لا ندين الآخرين، بل لنمتحن أنفسنا ونفهم أننا كلنا في مراحل مختلفة للنمو في مسائل مختلفة. فأعط نفسك والآخرين فرصة للنمو واثبت في الإيمان الذي بدونه لا نستطيع أن نعاين الرب في حياتنا اليومية.

ولنهاية قصة مرقس وبولس عبرة، إذ نجد بولس يقول لتيموثاوس: "لوقا وحده معي. خذ مرقس وأحضره معك لأنّه نافع لي للخدمة" (٢ تيموثاوس ٤: ١١). لقد كان برنابا على حق في أخذه لمرقس والعمل عليه ومعه في الخدمة. وساعد ذلك مرقس على النمو، فيجد بولس نفسه في حاجة إليه ويعطيه شهادة عمل عبر التاريخ "أنه نافع للخدمة". 

فلا تيأس لا من نفسك، لضعفاتك، ولا من الآخرين، لضعفاتهم، لأن الرب يعمل علينا جميعاً. وتذكر قول الرب لبولس: "تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل" (٢ كورنثوس ١٢: ٩). أصبر على نفسك واصبر على الآخرين. وان شعرت بضعف فيك أو فيهم، فاطلب قوة من عند الرب لك ولهم، للثبات في الإيمان والنمو في النعمة.

Related

You need to login in order to comment