X
GO
الشهود الأربعة
01 June 2018

الشهود الأربعة

من المعروف أن أي شهادة تقوم على فم شاهدين أو ثلاثة وحياة السيد المسيح التي بُشرنا بها تقوم شهادتها على فم أربعة شهود نقلوا لنا ما قادهم الروح القدس لكتابته، "عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (٢ بطرس ١: ٢٠-٢١). ومن الجدير بالذكر أن رجال الله هؤلاء لم يستقصى فهمهم وعلمهم وشخصيتهم وأسلوبهم، بل قادهم الروح القدس بكل ما لديهم لكي يكتبوا كلمة الرب بوضوح ولكي يصلوا بها لقلوب البشر الذين، ككتبة الوحي، لهم شخصيات وقدرات فهم ومتطلبات تختلف من فرد لفرد. ولكن، يجب التركيز هنا على أهمية أن الروح هو الكاتب الأساسي الذي قادهم لكي يكتبوا، ولم يكتب أي منهم حسب مشيئته قط، بشهادة الكتاب نفسه.

البشائر أو الأربع شهادات التي تشهد للمسيح، حملت أسماء كتّابها وهي متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وفي بداية كل من هذه الكتب نرى كيف استخدم الروح الكاتب ومواهبه في الشهادة عن المسيح. 

متى كان جابي ضرائب يهودي يهمه العد والحساب والسلالة الضريبية، أي جمع المال من كل بيت بحسب اسم رأس البيت. وكون المسيح ضريبياً من بيت يوسف، فليس من الغريب أن نجد الروح يقود متى لتدوين سلالة يوسف. فالمسيح بالتبني هو ابن يوسف الذي هو من سلالة داوود. ولكن متى واضح في تدوينه أن "يوسف هو رجُل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح" (متى ١: ١٦). فيترك للقارئ التفسير الصحيح ويضيف مصدر المسيح فيقول عن مريم " وُجِدت حبلى من الروح القدس" (متى ١: ١٨، أنظر أيضاً ١: ٢٠) ويسميه عمانوئيل "الله معنا" (متى ١: ٢٣).

وللمقارنة نعرض لوقا التلميذ الطبيب الذي يكتب لنا سلالة المسيح الطبية من جهة أمه السيدة مريم. ويُظهر لوقا أنه يكتب سلالة مريم في اختياره الكلمات "وهو على ما كان يظن ابن يوسف" ولكنه يستطرد فينسبه إلى "هالي" وهو والد مريم. والسؤال لماذا ينسب لوقا المسيح إلى مريم؟ فهل يصح النسب إلى الجد أبو الأم عند غياب الأب؟ إذا نظرنا إلى الموضوع من الناحية الطبية، فالنسب الدموي الجيني العائلي هو الأهم. فقد يسجل أي شخص كإبن أو بنت فلان، ولكن عندما نذهب إلى الطبيب، ما يبحث عنه الطبيب هو ما هو وراثي عبر صلة الدم. ولهذا فليس من المستغرب أن نجد التلميذ الطبيب يسرد سلالة المسيح من جهة الأم مع استطراده أنه يعرف أن المتعارف عليه من ناحية النسب الاجتماعي هو أن المسيح ابن يوسف. ولكن في النهاية، لوقا يصر على سرد مصدر المسيح الحقيقي فينسبه إلى الله: "ابن الله" (لوقا ٣٨:٣).

وهنا يمكن طرح السؤال، لماذا يعطينا الروح القدس هاتين السلالتين؟ ألم يكن يكفي سلالة واحدة يتفقوا عليها؟ إن طبع الإنسان أن يشكك ويبرر ما يعرض عليه من معلومات وليس هناك إشكال في ذلك طالما المقصود هو معرفة الحقيقة والوصول إلى ما هو واقعي. ولكن تخيّل معي للحظة لو كان الوحي أعطى أن المسيح هو ابن يوسف، كما فعل في قيادته لمتى، وسكت. هل كان سيرضى الناس على أن ينسب المسيح إلى يوسف ويسكتوا على ذلك؟ بالطبع لا! كان سيكون هناك اعتراضات كثيرة. وماذا لو كان الوحي أعطى نسب المسيح من أمه فقط. هل كان سيرضى الناس عن ذلك ويسكتوا؟ بالطبع لا! كان سيكون هناك اعتراضات كثيرة. وماذا لو أعطى الوحي نسب المسيح من جهة يوسف، كالأب الذي تبناه ومن جهة نسب الأم البيولوجي، هل كان الناس سيرضون ويسكتون؟ بالطبع لا! وهكذا هو الحال.

نُكمِل عن البشائر الأخرى، فقد قاد الوحي مرقس بأن لا يذكر أي شيء عن النسل، فهذا ليس تركيزه، بل همه كيهودي أن يبين أن ابن الإنسان الآتي على السحاب، هو المسيح الذي وعد به الرب في الأنبياء، مثل النبي دانيال٧. ولذلك فلا نستغرب أبداً أن نراه يبدأ بوعود الرب من العهد القديم والتي كانت معروفة شفاهيا لديهم. فنجده يبدأ "بدء إنجيل المسيح ابن الله، كما هو مكتوب في الأنبياء "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" (مرقس ١: ١-٣).  ونرى اليهود في ذلك الوقت مشغولين في معرفة كيفية تفسير هذه الآيات إذا يخبرنا يوحنا عن هذا الانشغال في أسئلة اليهود ليوحنا المعمدان (أنظر يوحنا ١: ١٩- ٣٧). ونرى النبوات التي ذكرها مرقس تعود إلى ربطه ملاخي ٣: ١ مع إشعياء ٤٠: ٣ ويبين بذلك ان النبوات التي ينتظر شعبه أن تتحقق، قد تحققت أمام أعينهم.

لقد أصبح لدينا ثلاثة مصادر لنسب المسيح، ابوه بالتبني، امه بيولوجياً، ووعود الرب عنه بدون نسب أرضي (أي نسبه الكتابي)، كتتمة للنبوات عن المسيح المنتظر، مع كل ما تحمله النبوات عنه في طياتها. يبقى ما قاله شاهد العيان الرابع يوحنا. كان يوحنا أقرب مقرب للمسيح من بين تلاميذه والتلميذ الوحيد الذي وقف عند صليب المسيح، والذي اوكل له المسيح الاهتمام بأمه مريم، والذي اراه الرب عرشه في السماء وما سيحدث في المستقبل، فارتجف من منظر المسيح السماوي في سفر الرؤيا. نرى هذا التلميذ يذهب مباشرة إلى نسب المسيح الحقيقي فيقول "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله.... والكلمة صار جسداً وحل بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً" (يوحنا ١:١و٢و١٤).

لقد قامت شهادة واحدة على فم أربعة شهود بأن المسيح ليس مجرد إنسان عادي، ومع إمكانية نسبه قانونيا وبيولوجيا ودينيا إلى أنه رب الكل ومصدره ونسبه يفوق كل ذلك. ومع ذلك وبمعرفته اختار كل تلك الأنساب ودونها لنا الروح القدس بمشيئته لكي يرينا أنه لا يعتر بنا كبشر، بل يحبنا بمحبة أبدية وينسب نفسه إلينا بكل ما هنالك من نسب. فهو الكلمة التي صار جسداً.

هل لا تزال تتساءل عن نسب المسيح؟ يمكن أن نسأل عن كل شيء لمجرد السؤال من الآن إلى زوال الكون أو زوالنا الذي قد يكون أقرب، ولكن يجب أن نأخذ وقتا مع أنفسنا ونقر بما نجده ونسأل ما معنى ذلك بالنسبة لي؟ المسيح لم يخف أن ينسب نفسه لجنسنا، بل تضامن معنا بكل ما يمكن أن يتضامن إله مع إنسان فأصبح واحد منا. هل تقبله أم لا تقبل أن تنتسب إليه؟ الخيار لك!

Related

You need to login in order to comment