X
GO
الحل بين العقل والواقع
01 February 2018

الحل بين العقل والواقع

عندما نفكر في حل المشاكل نواجه أمرين، آفاق الحل في إطار الواقع الذي نعيشه واستخدام العقل الذي يساعدنا رغم محدودياته، من معرفة وإدراك واستنتاج وتعبير لغوي، على التعامل مع ما هو أمامنا لمعالجته. من هذا المنطلق نطرح السؤال المعضلة، كيف يُعالج الداء الذي تعرض له آدم وحواء من جراء أكلهم للثمرة والتغيير الذي طرأ على الجسم البشري والتطور الخطير الذي جعل هذا الجسم يتلف ويموت. ما هو علاج الموت نفسه وكيف يتم علاج من ماتوا قبلنا ومن سيموتوا اليوم ولاحقاً؟ هذا على صعيد التعامل مع الخطية التي انتجت موتاً. 

ولكن هناك مشكلة أخرى، مشكلة العلاقة مع الخالق. فالخالق، كما يخبرنا المسيح على شوق أن يلتقي بأولاده الذين صنعهم ولكن جزء من نتيجة تناول هذه الثمرة هي عند رؤية الخالق الذي هو نور، لا يستطيع الإنسان ان يحيا كما كان الحال في جنة عدن نتيجة لتناوله من الثمرة. وهذا يمكن فهمه، على سبيل المثال، مما نراه اليوم عند بعض المرضى الذين يمنعون من التواجد في مكان مشمس بسبب الضرر الذي قد يواجهونه كون ما تناولوه من مواد كدواء يجعلهم عرضة لتداعيات خطيرة ان جلسوا تحت أشعة الشمس. 

القصة الكتابية، وإن رآها البعض اسطورية، إلا انها من أرض واقعنا فعلاً، من الواقع الذي نعيشه كل يوم ونختبره عن كثب، وكون محدودية العقل واللغة يقفان كعائق في وجه فهم ما شرحه الخالق عما حدث، فهذا لا يلغي حقيقتهما. وكما هو معروف عالمياً، عدم الإلمام بالشيء لا يلغيه وعدم معرفته لا يلغي المسؤولية نحوه.

وفي هذه القصة الكتابية جزء ثالث هام وهو كسر الإنسان لكلمة الخالق، وهذا ليس مجرد مشكلة مع الخالق نفسه، بل بكسره اليومي لوصايا الخالق، يؤذي غيره من البشر ممن لهم حق عليه بسبب الأذية فيصبح مستحقاُ للعقاب ومحتاجاً لأن يوفي الآخرين حقوقهم. فالخالق قد يسامح ما قام به الإنسان نحوه، ولكن ليس من العدل أو الرحمة أن يتغاضى عما قام به الإنسان تجاه أخيه أو أخته من البشر، من سرقة وقتل واغتصاب وزنى ونميمة وغيرها من الفاحشات التي تؤذي الأفراد والمجتمعات. من سيسدد هذه الحسابات؟ من سيدفع الثمن؟ 

قام الرب بشيء غريب جداً وليس بالسهل علينا إدراكه رغم معاينتنا له ورغم المستندات البشرية التي تظهر بوضوح ان هناك شيء حدث في تاريخ البشرية. ما قام به حسب وعده في كتب اليهود وتتميمه في كتب المسيحية هو التجسد. ماذا؟ نعم التجسد!

قد يتساءل المرء لماذا يتجسد الخالق؟ والإجابة أولاً أنه هو اختار هذا الحل، وثانياً هو عدم قدرة الإنسان على التآله. فالخالق يستطيع ان يفعل ما يريد لانه غير محدود بالزمان والمكان والمادة، لا يحده أي شيء. أما الإنسان فهو مخلوق ومحدود بشتى الحدود. فإن كان هناك أي أمل في إصلاح العلاقة بين الخالق والمخلوق فالوحيد الذي يستطيع حلها هو الخالق. فإن كان الإنسان لا يستطيع أن يعاين الخالق كإله ويبقى حياً بسبب التغيير الذي حدث له، فلا بد للخالق أن يظهر بطريقة يستطيع الإنسان أن يعاينه فيها ويبقى حياً وإلا لا يوجد هناك حل آخر. وقد رآى الخالق شوق الإنسان في معاينته في طلب موسى منه أن يريه وجهه ولكن الخالق حفظ موسى من الموت فوضعه في مكان لا يستطيع معاينة وجه الخالق فيه وأراه ما استطاع موسى تحمله دون أن يهلك. ومع ذلك، عندما رأى شعب إسرائيل وجه موسى بسبب ما رآه ارتعبوا واضطر موسى ان يغطي وجهه بحجاب.

لماذا تجسد الرب؟ أولاً، قال المسيح أن أتيت ليكون لكم حياة وليكون لكم أفضل. هذا مهم أن نعيه لأننا ورثنا الموت والتلف في اجسادنا بسبب الخطية، فكان لمصدر الحياة ان يأتي ويخلص البشر من سلطة الموت على جنسهم. ما هو هذا الداء والدواء؟ ليس بالسهل معرفة التفاصيل وكيفية معالجة الموت. ولكن ما اوضحه المسيح انه بموته وقيامته فقط يستطيع أن يعالج الموت وهو شيء لم يكن من طبيعة الخالق لأنه الحياة نفسها. وبموته لم يعالج فقط الموت بل ذهب إلى الموضع الذي كان فيه ارواح الأموات وعالجهم أيضاً. إذا يبدوا أن للموت بُعد يتخطى الأجسد لأن الأموات الذين تلفت أجسادهم واضمحلت كانوا لا يزالوا غير قادرين على التغلب على قوة الموت عليهم. فذهب المسيح مصدر الحياة ليحررهم منها. 

ثانياً، حل المسيح مشكلة المستحقات. فكون كل واحد منا عليه جزاء ومستحق يجب أن يتممه، فهذا يعني أننا جميعاً مستحقين العقاب، ولكن المسيح بموته البديل دفع هذا الثمن. فعندما آتي إليه ويقول لي أين ثمن ما فعلت، أقول أني عاجز عن سداده، فيقول ان قبلت أنا اسدده عنك. فأوافق. ثم يأتي شخص أخطأ إلي وذهب إلى المسيح وقبِل أن يسدد المسيح حسابه. وعندما أراه  أقول له أعطني حسابي، فيقول المسيح هو الذي سيسدد عنه. وكون المسيح قد سدد عني المستحقات فأنا لا زلت المديون له. وبذلك، لم يعد لأحد على أحد حق، فلقد تمم المسيح كل المستحقات بتقديمه أغلى ما يمكن تقديمه. أما الذي لا يريد أن يسدد المسيح عنه، فيقول المسيح له، يا هذا ادفع ما عليك من مستحقات، فإن لم يستطع فعل ذلك يوم الحساب، عليه أن ينال جزاء ما قام به، كما عليه أن يحيا في حالة الموت إلى الآبد، أي الوجود في مكان منفصل عن الخالق، لأنه رفض علاج تلك الحالة.

ثالثاً، الحاجز الذي كان بين الإنسان والخالق شقه المسيح، الخالق المتجسد، فأصبح بإمكان الإنسان ان يتقدم أمام الخالق ويتكلم  عبر المسيح الوسيط الذي هو يقف أمام الآب كشفيع يتشفع لنا. وكونه الإله، فهو موجود في كل زمان ومكان ويستطيع أن يسمع ويشفع في كل آن.

هناك حل للموت، هناك حل للخطية التي ورثناها، هناك حل لإنقطاع العلاقة مع الخالق، وهو المضاد الحيوي الروحي لما قام به آدم وحواء مادياً. فآدم وحواء اختارا العصيان ولنا اختيار الإيمان.

Related

You need to login in order to comment