قلب الآب - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
قلب الآب
16 June 2020

قلب الآب

"هذه امرأة جميلة! تعالي يا حلوة! بكم هذا الطبق؟ يبدو لذيذاً فعلاً. هيا يا أصدقائي نأكل معاً. يا معلم، كل أكل الشباب والصبايا على حسابي."

هكذا أمضى أيامه باللعب والصرف والبذخ إلى أن بذّر كل شقاء وتعب أبيه. وبعدها نظر حوله فلم يرى أحد!! أين الأصدقاء؟ أين الحلوين؟ لا يوجد أحد. عندما اختفى المال اختفى معه أحباب المال. ورأى لأول مرة أنه وحيدٌ بلا صديق. أين هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يوافقون معه أن أباه متخلف ولم يعرف كيف يعيش؟ أين هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يوافقون على آرائه ويضحكون على فكاهاته ومزاحه؟ لقد ذهبوا يبحثون عن آخر، معه من المال ما كان معه هو. والآن ما العمل؟ كيف سيواجه والده بعد أن سخر منه وبذر أمواله؟ هل رأيتم هذا السيناريو يتكرر أمام أعينكم. أنا فعلاً رأيته في زماني وعبر الكتاب في الأزمنة الغابرة. 

أخبرنا المسيح قبل ألفي عام عن قصة مماثلة، فيها يعود الشاب إلى وعيه ويرجع إلى والده طالباً الغفران. ولكن ماذا كانت ستكون ردة فعلك كأب؟ ماذا ستفعل بهذا الشاب؟

في القصة التي رواها المسيح نرى الآب يخرج وينتظر بشوق رجوع الابن الضال. ومع أن القصة لا تذكر لنا كم كانت المدة طويلة، إلا أن تفاصيل ما دار فيها تدل على أنها لم تكن قصيرة. وهذا ما كان يفعله الآب خلال غياب الابن: {فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ} (لوقا ١٥: ٢٠). 

والآب في هذه القصة هو رمز لأبونا السماوي الذي قلبه عليك وعليّ عندما نضل عن سبيله وهو يرينا قلبه عبر هذه الكلمات: 

{٨ - ٱلرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ ٱلرُّوحِ وَكَثِيرُ ٱلرَّحْمَةِ.

٩ - لَا يُحَاكِمُ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَلَا يَحْقِدُ إِلَى ٱلدَّهْرِ.

١٠ - لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثَامِنَا.

١١ - لِأَنَّهُ مِثْلُ ٱرْتِفَاعِ ٱلسَّمَاوَاتِ فَوْقَ ٱلْأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ.

١٢ - كَبُعْدِ ٱلْمَشْرِقِ مِنَ ٱلْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا.

١٣ - كَمَا يَتَرَأَفُ ٱلْأَبُ عَلَى ٱلْبَنِينَ يَتَرَأَفُ ٱلرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ.

١٤ - لِأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ.

١٥ - ٱلْإِنْسَانُ مِثْلُ ٱلْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهَرِ ٱلْحَقْلِ كَذَلِكَ يُزْهِرُ.

١٦ - لِأَنَّ رِيحًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ، وَلَا يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ.

١٧ - أَمَّا رَحْمَةُ ٱلرَّبِّ فَإِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلْأَبَدِ عَلَى خَائِفِيهِ، وَعَدْلُهُ عَلَى بَنِي ٱلْبَنِينَ،

١٨ - لِحَافِظِي عَهْدِهِ وَذَاكِرِي وَصَايَاهُ لِيَعْمَلُوهَا} (مزمور ١٠٣)

هذا هو قلب الآب، محب ومسامح ورؤوف، وهو القلب الذي كل من يريد أن يقول إنه مؤمن عليه أن يعكس للآخرين. الرب يترأف على البشر لأنه يعرف ويأخذ بعين الاعتبار قصر أيامهم على هذه الأرض. ماذا سيحدث إن نظرنا للآخرين ولاسيما أهل بيتنا من هذا المنظار؟ نظرنا لظروفهم وضعفهم واحتياجاتهم وترأفنا عليهم عوضاً عن التفكير بأنفسنا فقط ودورهم في حياتنا وكأننا نحن الكوكب الذي يجب أن يدور حوله كل أهل عائلتنا. الرب يذكر أننا تراب نحن، فيتحنن علينا ويظهر طول الروح في التعامل معنا. هل نتخذ هذا القرار اليوم وننظر للآخرين على أنهم بحاجة لمحبة وصبر؟ هذا ما نريد أن نراه في آبائنا، وهذا ما يريده أولادنا وأحفادنا أن يروه فينا. 

هذا قلبه، فماذا عن إرادته؟ يخبرنا الكتاب أن إرادة الآب لنا هي الخلاص لجميع أولاده، ولا يريد أن يضل أحد منهم عن الطريق إليه:{لِأَنَّ هَذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا ٱللهِ، ٱلَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْحَقِّ يُقْبِلُونَ} (١ تيموثاوس ٢: ٣- ٤). ولهذا نراه ينادي عبر النبي إشعياء للجميع قائلاً: {اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَٱخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي ٱلْأَرْضِ، لِأَنِّي أَنَا ٱللهُ وَلَيْسَ آخَرَ} (إشعياء ٤٥: ٢٢). لا نستغرب أبداً أن الآب الذي يجب أن يفوق في أبوته كل الآباء الذين خلقهم يريد أن يخلص كل أبنائه ونرى المسيح يؤكد سمو وجلال الآب عندما يقول: {أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟  وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟  فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!} (متى ٧: ٩-١١).

وهذا العطاء وهذه الإرادة منبعهما شخص الرب ويعبران عن محبته لنا. لأن الآب يحب كل الأولاد الذين خلقهم ولذلك نراه يقول بوضوح: {وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. لِأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ ٱللهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ ٱللهُ ٱبْنَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَدِينَ ٱلْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ ٱلْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ، وَٱلَّذِي لَا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ ٱلْوَحِيدِ} (يوحنا ٣: ١٤- ١٨). وهذه المحبة ليست محبة مثل محبة البشر آنية زمنية بل محبة أبدية نابعة من شخص الرب الإله نفسه: {أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لِأَنَّ ٱلْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ ٱللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللهِ وَيَعْرِفُ ٱللهَ. وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ٱللهَ، لِأَنَّ ٱللهَ مَحَبَّةٌ} (١يوحنا ٤: ٧-٨). وكون الله محبة فنجد أنه يسر أن يعطي أولاده ويشاركهم فيما هو له:{لَا تَخَفْ، أَيُّهَا ٱلْقَطِيعُ ٱلصَّغِيرُ، لِأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ ٱلْمَلَكُوتَ} (لوقا ١٢: ٣٢).

تلمذة:

ماذا عنك؟ هل أنت أب؟ ماذا ترى في شخص الآب السماوي الذي يجب أن تعكسه في عائلتك ومجتمعك؟ هل من حولك بحاجة لأن يروا رأفة ورحمة منك؟ هل يحتاجون أن يختبروا محبتك وأن يروا كل ما هو محبوس في قلبك من صلاح وعطاء؟ اليوم يوم مقبول لأن تتخذ قرارات تري العالم صورة أخرى لك. اليوم يوم مقبول كي تعكس محبة الآب الموجودة فيك.

وماذا عنكم كأبناء وبنات؟ قال الرب عبر النبي ملاخي: {ٱلِٱبْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَٱلْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟} (ملاخي ١: ٦). هل تكرمون أباكم؟ أم هل أعتدتم على كل ما يؤمنه لكم واستهترتم بذلك كالابن الضال؟ لنتذكر كأولاد هذه الوصية من الرب: {أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي يُعْطِيكَ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ} (الخروج ٢٠: ١٢).  

شاركنا برأيك وأسئلتك

هل أعجبك المقال؟ شاركه مع الآخرين عبر الفايسبوك

 

Related

Not any article

هل تريد أن تختبر الخلاص من الخطية وثقلها؟
هل تريد أن تحيا حياة أفضل على الأرض وحياة أبدية مع الله؟
أطلب من الرب أن يخلصك من خطيتك وأقبل المسيح كبديل عنك في حمل خطيتك.
صلّي معنا هذه الصلاة:

 

يا رب يسوع، أنا أعلم وأعترف بأنني خاطئ، وأني بحاجة لغفرانك.
أنا أؤمن أنك مت عني على الصليب لكي تدفع ثمن خطاياي، وقمت من الأموات لكي تمنحني الحياة الأبدية.
أنا أعلم أنك الطريق الوحيد إلى الله، لذلك سوف أتوقف عن العناد والعصيان وأبدأ حياتي معك من الآن، وسوف أحيا معك ولأجلك مدى حياتي. سامحني واغفر لي خطاياي يا رب وغير حياتي وعلمني كيف أعرفك أكثر.

باسم الرب يسوع. آمين.