X
GO
الإرادة بين الحرية والمسؤولية
16 January 2018

الإرادة بين الحرية والمسؤولية

الحرية كلمة جميلة الرسم وعذبة الرنين في آذان كل من اشتاق إليها أو اختبرها. والتصرف بحرية هو نتيجة لكون الشخص صاحب إرادة يستطيع استعمالها لإرضاء واشباع النفس. وموضوع الحرية والمسؤولية عميق وواسع، لذلك سننظر إليه هنا من بدايته فقط، أي كيف ابتدأ الأمر مع ابوينا آدم وحواء وهو نموذج ينطبق علينا ويحكمنا إلى اليوم. 

  لقد خلق الرب خليقة حرة مُخيرة وليست مُسيرة عندما خلق آدم وحواء وكان يتواصل معهم كإله حر مع إنسان حر يستطيع أن يعبر عن مشاعره بكل إرادته وليس آلة تقول سمعاً وطاعة يا مولاي. دعونا نتوقف هنا ونفكر بمن نحبهم، هل نريدهم أن يحبونا لأنهم ملزمين بفعل ذلك؟ أم نريد أن يحبونا لأنهم يريدون ذلك من تلقاء أنفسهم؟ أي نوع من الحب تعتقدون هو النوع الذي يريده الله منا، البشر الذين خلقهم بإرادة وحرية اختيار؟

ولكن لا ننسى أيضاً أن الله الخالق هو صاحب كل شيء وعنده الحق أن يجرب ويختبر ما صنعه. فمثلاً، عندما نحن البشر نصنع آلات او روبوتات، ألا نريد أن نختبر أداءهم؟ وعندما يقوم أحد بالطبخ ألا يذوق الطعام ليرى كيف هو؟ لقد أعطى الخالق كل شيء لآدم وحواء لكي يستمتعوا به، ولكن أعطاهم أمراً واحداً أن يتجنبوه، أكل ثمار شجرة معرفة الخير والشر. وحذرهم من نتيجة القيام بذلك لكي يكونوا على دراية بما يقومون به إن اختاروا ان يعصوه. يخبرنا النبي موسى في سفر التكوين "وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل موتاً تموت" (تكوين ٢: ١٦- ١٧).

ولكن حواء وبعدها آدم لم يكفيهما كل شيء بل تخليا عن مسؤوليتهما نحو أنفسهما ونسلهما وأدخلا العبور بمرحلة الموت إلى حياة كل البشر وإلى حياتهما. وأصبحت طبيعة الخطية التي قاما بها متأصلة في أنسالهما، لأن الجميع أدركوا بعد ذلك معرفة الخير والشر وفعّلوا إرادتهم في عمل الخير والشر بحرية الاختيار. وبعد أن كان الله قد خلق كل شيء جيد ونظر إليه وقيمه بأنه جيد، شوه الإنسان الصورة الحسنة التي خلقه ُ عليها، صورة الرب، وأصبح بحاجة لعلاج وإصلاح ومخلص ينجيه من نتيجة خطية آدم وحواء، أي الموت.

قد نسأل كيف يمكن لثمرة أن تقتل إنسان أو يكون لها هذا المفعول. كون وجود مواد مستخلصة من نباتات تقتل البشر عاجلاً أم آجلاً فهذا ليس بجديد ويمكننا الذهاب إلى أي صيدلي أو زيارة مواقع على النت ونجد معلومات حالياً عن مواد تقوم بذلك. وكون وراثة مرض كشعب كامل او قارة كاملة عبر الدم أو الهواء أو اي وسيلة أخرى موجود ويمكن إثباته الآن. ومع ذلك، نستطيع القول أن هذه الحالة في جنة عدن كانت حالة استثنائية لأنه كان هناك شجرة واحدة فقط منها. 

ولكن الموت لم يتوقف على الجسد فقط، بل كان هناك موت في العلاقة أيضاً، فبعد أن كان الرب يكلم آدم وحواء ويتمشى معهم، أضطر الرب أن يبعد آدم وحواء عن الجنة لكي يحيوا لأنهم لم يعودوا يستطيعون أن يحيوا في محضر الرب دون أن يموتوا: "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (الخروج ٣٣: ٢٠).

قد يتساءل المرء، ألم يكن الرب يعلم أن آدم وحواء سيخطآن، فلماذا جربهما؟ الواقع أن معرفة الرب قد لا تكون معرفة مسيرة بل قد يعطي الخيار ومعه الحل. وهذا ما نراه في جنة عدن، فحين وضع الرب شجرة معرفة الخير والشر في الجنة، وضع المضاد الحيوي لجسم آدم وحواء وهو شجرة الحياة التي غرسها في وسط الجنة. ويبدو أن آدم وحواء تجاهلوا شجرة الحياة واختاروا الشجرة التي مُنعوا عنها. ولكن بعد أن ذاقا معرفة الخير والشر ودخلت الخطية والموت أجسادهما، قال الرب "هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر. والآن لعلّه يأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد" (التكوين ٣: ٢٢). وخوفاً على الإنسان أن يبقى في الخطية والفساد إلى الأبد بأكله من شجرة الحياة، طرد الرب الإله آدم وحواء من جنة عدن ووضع "شرقيّ جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة" (التكوين ٣: ٢٤). وهذا كان علاجاً مؤقتاً إلى أن رفع الرب الشجرة عن الأرض إذ نراها في سفر الرؤيا مجدداً وهي مصفوفة ومجهزة من قبل الرب ومتكاثرة بعد أن كانت واحدة في جنة عدن. وهي موجودة على ضفتي نهر غير أنهار عدن الأرضية، بل نهر خارج من عرش الله "صافيا من ماء حياة لامعا كبلور" وعلى النهر من هنا ومن هناك، شجرة حياة تصنع اثنتي عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها، وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة ما فيما بعد..." (الرؤيا ٢٢: ٢-٣).

إذا، في هذا اليوم الأسود، دخلت الخطية والموت أجساد آدم وحواء وورثناها منهم إلى اليوم وكلنا عندنا خيار أن نطيع الرب أو نعصيه، وعندنا خيار الخير والشر في معاملاتنا مع بعضنا البعض ومع الرب ومع أجسادنا، وعندنا خيار أن نسعى لإصلاح العلاقة مع الرب بإطاعته وكسر العصيان الذي ورثناه، او بالانصياع لأنفسنا ولآخرين كما فعلت حواء وبعدها آدم (التكوين ٢ و٣). عندك الحرية ومعها مسؤولية قرارك لنفسك ولنسلك. لا زال الخيار بين يديك هم اختاروا الداء، ولك اختيار الدواء. فماذا تريد أن تفعل الآن من أجل نفسك وأولادك وأحفادك؟ 

Related

You need to login in order to comment