البداية - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
البداية
31 July 2018

البداية

نرى في الكتب ونسمع في دور العبادة عن قدرة الإنسان على إقامة علاقة مع الخالق، كما نسمع أن آدم كلم الخالق كلام الوجه ووقف امامه ومعه. ونسمع أيضاً عن ابراهيم انه كان يكلم الخالق ويسأله في امور كثيرة لدرجة أن سفر التكوين يخبرنا ان الرب زاره بشكل بشري واكل معه وغسل يديه ثم خاطبه كإله عند كلامه عن عقابه المزمع لشعوب سدوم وعمورة، الخطاب الذي حول ابراهيم من مضيف للخالق إلى عبد يهتز من روعة ووهرة هذا الضيف ويقول له " ها أنا شرعت أكلم المولى وأنا تراب" ( سفر التكوين ١٨: ٢٧). ونقرأ عن موسى الذي يعرف بيننا بلقب كليم الله، كونه كان يتكلم مع موسى ويعطيه التعليمات لقيادة بني إسرائيل من أرض مصر إلى أرض كنعان، ونعلم أيضاً من الكتاب أن الرب كتب بيده الوصايا في بادئ الأمر. 
قد تستغرب انه يمكن للإنسان أن يكون له علاقة شخصية مع الخالق، ولكن هذا بالضبط ما نقرأه ونجده منذ بداية البشرية، ولكن دعنا ننظر إلى ما قاله الرب عن الإنسان عندما خلقه منذ البداية.
أول كلمة ذكرت من الخالق عن الإنسان في اي من الكتب السماوية هي في اول كتاب في توراة موسى في اول اصحاح من الكتاب والآية ٢٦: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشَبَهِنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدِبُ على الأرض".
هذه هي اول أفكار الخالق التي كشفها لنا عن الإنسان والآية التالية تقول: "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم" (التكوين ١: ٢٧). 
من هاتين الآيتين نرى ان الإنسان كان في تصور الخالق ولم يُخلق على عجل. بل قال الخالق انه يعمله على صورته. وهنا نرى صورة الأبوة والعناية في الخالق عند خلقه للإنسان بتفرده في خلقه عن باقي المخلوقات. فلكل شيء قال الرب "كُن" فكان. أما الإنسان، فيخبرنا الرب انه كان عنده مخطط فريد في تشكيله وفي الإصحاح الثاني نرى المخطط يوضع عملياً عند شرح كيفية خلق الإنسان إذ يقول : "وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفساً حية" (التكوين ٢: ٧).
إذا، بعد أن حضّر الخالق الكون لكي يخلق الحياة وبعد أن جهز المخلوقات التي سيضعها في عهدة آدم، خلق آدم على صورته كالتالي: تراب جبله الرب بيديه، ونَفَس الرب الذي هو نسمة حياة آدم نفخه في أنف آدم، فأصبح آدم نفساً حية. ويمكن تخيل هذا كشرارة ووقود وعند جمعها معاً يصبح هناك نار كشيء جديد نتيجة لتفاعل العنصرين الأولين معاً. أي أن الرب خطط كثيراً لخلق الإنسان وخصه بالخلق ولم يقل له كما قال لكل الأشياء الأخرى، "ليكن..."، فكانت، كما نرى في الفصل الأول من سفر التكوين. فأصبح هناك في الوجود كائن جديد مكون من المادة (الجسد)، والنفس الحية (يقول الكتاب النفس في الدم، لاويين ١٧: ١١)، والروح.
ولم ينتهي الرب من تخصيص آدم بخلقه على شبهه وصورته ولا بجبله له بيديه ولا بوضع نَفَسِه في أنفه ولا بإعطائه سلطان على خليقته ومباركته له "وباركهم الله وقال لهم: اثمروا واكثروا واملأوا الأرض، واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وطير السماء وعلى كل حيوان يدُب على الأرض" ولا بقوله لهم "إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً لكم يكون طعاماً" (تكوين ١: ٢٨ و٢٩).
بل يضيف الخالق أنه غرس "جنة في عدن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله" (تكوين ٢: ٨). أي بالإضافة لكل ما خلق الرب الإله ووضع تحت سيطرة آدم، خلق له أيضا ً جنة خاصة من صنع الإله وفكره لكي يسكن فيها مكان خاص لآدم وحواء. 
ونفهم من سفر التكوين أن الخالق كان يأتي ليتمشى معهما ويتكلم معهما كآب يكلم أولاده، فنقرأ "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار... فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟" (تكوين ٣: ٨-٩). قد تتساءل، لماذا يقول الرب لآدم "أين أنت؟" ألا يعلم أين هو؟ ولكن الصورة هنا صورة علاقة نراها دائما في حياتنا عندما يتغيب أحد عن اللقاء بنا فنسأل "أين أنت هذه الأيام؟" ولا نعني بالضرورة اننا لا نعلم أين كان الشخص، بل ندل بذلك على أهتمامنا بالشخص وعلاقتنا به، وهذا جزء من المقصود هنا. قد تقول في نفسك، حسنا ً هذا كان ما جرى مع آدم ولكن هذا لا يعني أن الرب مهتم بي. دعني هنا أشاركك بما قاله النبي داوود عن كل واحد منا " لأنك أنتَ اقتنين كليتي. نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجلِ أنّي قد امتزتُ عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً. لم تختف ِ عنك عظامي حينما صُنعت في الخفاء، ورُقمت في أعماق الأرض. رأت عيناك أعضائي وفي سِفرِك كُلُها كُتِبت يوم تصوّرت، إذ لم يكن واحدٌ منها." (مزمور ١٣٩: ١٣-١٦). تأمل في هذه الآيات وستلاحظ كم عمِل الرب لكي يصنعك ويوجِدك. أنت لست مجرد شيء حدث بالصدفة، بل تصورك الرب وأحصى كل جزء منك كما يفعل المهندس والمُصمم، وأعدك قطعة قطعة، ونزجك معاً في بطن أمك. لذلك أنت مهم بالنسبة له ولذلك يقول لك أن تقترب منه وتكون في علاقة معه ويريدك أن تقول له "يا أبويا السماوي". اليوم خُذ أول خطوة وقُل له "يا بابا"، هذا حقه وحقك.

Related

You need to login in order to comment